ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) : مَن ذهب يرى أن له على الآخر فضلا فهو من المستكبرين )( الكافي ج ٨ ص ١٢٨ ) .
هذا الحديث يعطي صورة جلية لمفهوم التكبّر و أنه يتجاوز الصورة الظاهرية لأفعال الإنسان و تصرفاته ، إذ يضع معيارا دقيقا للغاية في فهم حقيقة التكبر و التلبّس به ، و يكشف عن جذوره العميقة و الضاربة في النفس من خلال تلك النظرة الداخلية للإنسان تجاه غيره و التي تتّسم بالاستصغار و الدونية و استقزام الآخرين ، فتضخم الذات عنده ناشيء من وهم و اعتقاد التفوق على الآخرين و امتلاك المؤهلات و القدرات بنحو أفضل و أكفأ من الآخرين ، سواء كان ذلك على مستوى العلاقة بالله تعالى و التعبد له و التقرب إليه ، أو على مستوى الملكات و القدرات العلمية و النبوغ ، أو على مستوى المكانة الاجتماعية و ما يحوزه من رضا و مقبولية بين الناس ، و هذه النظرة الدونية هو بداية الانزلاق نحو الاستكبار حتى و إن لم يُترجم إلى سلوك علني ، و بالطبع فإن موازين تقييم الآخرين يصيبها الاختلال و الاضطراب و تآكل روح العدالة و حفظ الحقوق ، و ذلك أن الإنسان المتكبر لا يرى الآخرين على قدم المساواة في الكرامة الإنسانية .
و في الجانب الروحي و الأخلاقي فإن التكبّر يشكل حاجبا و مانعا من بلوغ الإنسان للحقائق و الألطاف الإلهية و إدراكها ، فهذه الهبات الرحمانية تتطلب معرفة صادقة بالله تعالى و معرفة ضعف النفس البشرية ، بما يستلزم انكسارا داخليا و شعورا دائما بالحاجة إلى الله تعالى و الافتقار إلى تدبيره و تسيبره لشئون حياته ، و ما هذه الهبات الإلهية إلا جزء من سنة الابتلاء و الاختبار الإلهي للإنسان ، و أما عقد المقارنات و جعلها أساسا للتفاضل و التمايز فهو وهم و ضرب من تزييف الحقائق ، فإن أساس التمايز الحقيقي - و الذي تظهر آثاره جلية يوم القيامة - هو التقوى و الخشية من الله تعالى و تجسّدها على أرض الواقع ، و من صور تجسدها هي روح التواضع التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته و بالآخرين على أساس العبودية لله تعالى ، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله تعالى ازداد إدراكا لضعفه الوجودي ، و هذه المعرفة تجذّر روح التواضع و الانكسار في النفس أمام الحقيقة .
و المنشأ النفسي لروح التكبّر و الاستعلاء هو الجهل المركب بضعف النفس و افتقارها للتدبير الإلهي ، و تمازجه بتجاهل لحقيقة الفروق الفردية و التفاوت في القدرات و المستويات المعرفية و الاجتماعية و غيرها ، حيث يظن الإنسان أنه يملك الكمال أو أنه أعلى من غيره بينما هو غارق في محدوديته .
و للتكبّر آثار اجتماعية تُعدّ من إفرازات و نتائج تضخم الذات و تقزيم الآخرين ، و النتيجة الطبيعية هي أن يولّد عزلة و فجوة بينه و بين الآخرين ، حيث العجرفة و التعالي يخلق نفرة منه و عدم مقبولية لتواجده الاجتماعي بينهم مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية في محيطه ، فالعلاقات الاجتماعية قوامها الاحترام المتبادل و تقدير شخصية الآخر و التزام الأدب في الحديث و التعامل معه ، و لا يمكن لأحد أن تسمح له كرامة نفسه بالتجاوز عليه من أي شخص كان و لأي الأسباب ، كما أن التكبّر نافذة تنفتح على مساويء الأخلاق كسوء الظن و كفى به رذيلة تمنع التواصل الاجتماعي الحقيقي و المثمر بين الأفراد ، كما أنه يؤدي إلى ظلم الآخرين لأن من يرى نفسه أفضل من غيره يسهل عليه التقليل من حقوقهم أو تجاهل كرامتهم و التجاوز على حقوقهم المادية و المعنوية .



