في مجالسنا اليومية، وفي النقاشات العابرة التي تبدأ بسيطة ثم تتشعب إلى كل شيء، يبرز بين الحين والآخر ذلك الشخص الذي يرى نفسه مرجعًا شاملًا لا يخطئ، حاضرًا في كل قضية، ومتحدثًا في كل علم، وكأن الدنيا قد اختصرته في عقل واحد ولسان واحد. فهو الطبيب حين يُذكر الطب، والفقيه عند المسائل الشرعية، والمفكر في القضايا الفلسفية، والمحلل السياسي عند الحديث عن الشأن العام. لا يتردد، لا يتلعثم، ولا يعرف لعبارة "لا أعلم" طريقًا إلى لسانه.
وهم المعرفة
المثير في هذه الشخصية ليس مجرد حب المشاركة، بل تلك الثقة المطلقة التي تدفعها إلى اقتحام كل مجال دون أدنى تردد، متجاوزة حدود التخصص والخبرة. فهو لا يبدي رأيًا فحسب، بل يتحدث بثقة الخبير الذي يرى نفسه أدرى من أهل الاختصاص أنفسهم، وكأن سنوات الدراسة والبحث والتجربة لا تساوي شيئًا أمام حدسه السريع وقناعاته الجاهزة.
ولعل هذه الظاهرة لم تعد حالة فردية نادرة، بل أصبحت من سمات هذا العصر، حيث منحت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرين وهم المعرفة الكاملة، فتحولت المنصات إلى ساحات مفتوحة للفتوى والتحليل والتوجيه، يتصدرها أناس لم يتزودوا بأدوات العلم، لكنهم يتحدثون بثقة لا تعرف الحدود.
الرقيب الاجتماعي الذي لا يهدأ
ولا يتوقف حضور "علامة زمانه" عند السياسة أو الفكر أو الدين، بل يمتد إلى الشأن الاجتماعي، حيث يتقمص دور الرقيب والمحلل الاجتماعي الأبرز، ويرى نفسه وحده القادر على كشف خفايا المجتمع وفهم أسراره، وكأنه يمتلك "الصندوق الأسود" لكل مفاصل البلد وقضاياه، بينما الحقيقة أن صندوقه مثقوب بالأوهام، ومثقل بالشائعات، وملوث بكثير من الظنون والتزييف.
فهو حاضر في كل مناسبة اجتماعية ناقدًا ومفسرًا ومحللًا، يبث آراءه وتحليلاته في المجالس ووسائل التواصل، ناشرًا أفكارًا متشنجة وأحكامًا متسرعة، حتى لم يسلم من نقده أحد. لا مسجد يراه صالحًا، ولا حسينية، ولا جمعية خيرية، ولا حتى المبادرات الاجتماعية كحفلات الزواج الجماعي. ينتقد الأشخاص والأفكار والمؤسسات، بل ربما يخاصم المجتمع بأسره، وكأنه يرى نفسه وحده صاحب البصيرة بينما الجميع غارقون في الغفلة.
إنها حالة تتجاوز النقد الواعي إلى هوس دائم بالتشكيك والتقليل من الآخرين، لا بدافع الإصلاح الحقيقي، بل بدافع الظهور وإثبات التفوق المعرفي. حتى ليخيّل للناظر أنه يعيش خصومة مستمرة مع كل ما حوله، وربما مع نفسه أيضًا، بعدما استولى عليه وهم الفهم الكامل، وفقد القدرة على النظر بعين التوازن والإنصاف.
لماذا يتصرف هكذا؟
قد يتساءل المرء: ما الذي يدفع إنسانًا إلى هذا السلوك؟ هل هو حب الظهور؟ أم خوف دفين من التهميش؟ أم جهل بحقيقة العلم وحدوده؟
ربما تكمن جذور هذه الظاهرة في نوع من الكبر الخفي، أو في جهل مركب يجعل صاحبه يظن أن امتلاك الرأي يعني امتلاك الحقيقة. فالعالم الحقيقي كلما ازداد علمًا أدرك اتساع ما يجهله، فصار أكثر تواضعًا وصمتًا، بينما يزداد المتكلف صخبًا كلما خاض فيما لا يحسن.
وقد يكون الدافع أيضًا خوفًا من الصمت؛ فبعض الناس يرى في قول "لا أعلم" هزيمة أو ضعفًا فكريًا، بينما الحقيقة أن الشجاعة العلمية تبدأ من الاعتراف بحدود المعرفة، وأن الإنسان لا يفقد مكانته حين يجهل، بل يفقدها حين يدّعي ما ليس عنده.
"لا أعلم" نصف العلم
سُئل أحد العلماء يومًا عن مسألة فقال بكل هدوء: "لا أعلم". فاستغرب بعض الحاضرين هذا الجواب، وكأنهم رأوا في الاعتراف بالجهل نقصًا، فقال لهم العالم: وكيف أستحي من قول ما قالته الملائكة:
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
ورُوي عن أمير المؤمنين (ع): "قول لا أعلم نصف العلم".
في هذه الكلمات تتجلى حقيقة عظيمة؛ فقول "لا أعلم" ليس ضعفًا، بل وعي ونضج وتواضع. إنها الكلمة التي لا يقولها إلا من أدرك حقيقة نفسه وحدود علمه، أما المتعالم فيرفضها لأنه يعيش أسير صورة يريد ترسيخها أمام الناس.
وفي الختام
إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الأصوات المرتفعة، ولا مزيدًا من المتحدثين في كل شأن، بل حاجتنا الحقيقية إلى احترام التخصص، وإحياء فضيلة التواضع العلمي، واستعادة قيمة "لا أعلم" في خطابنا اليومي.
فليست الحكمة في كثرة الكلام، ولا في ادعاء الإحاطة بكل شيء، وإنما في صدق المعرفة، وفي القدرة على التمييز بين ما نعلم وما نجهل، وفي الإحالة إلى أهل الاختصاص حين يستدعي الأمر ذلك.
أما "علامة زمانه"، فسيظل مستمرًا في ثرثرته وتحليلاته التي لا تنتهي، متنقلًا بين السياسة والدين والمجتمع والفكر، ناقدًا لكل شيء، ومقتنعًا بأنه وحده يملك الحقيقة الكاملة. بينما يبقى العقلاء أكثر إدراكًا أن الإنسان مهما بلغ علمه سيظل محدودًا، وأن أعظم ما يتعلمه المرء أحيانًا… أن يقول بكل شجاعة: "لا أعلم".




التعليقات 2
2 pings
غير معروف
2026-05-11 في 7:49 م[3] رابط التعليق
اي والله علامة زمانه😀
هذه الفئة بهدلت الامة
مانقول الا لاحول ولا قوة الا بالله
يامثبت الدين والعقل
خادم منيزلاوي
2026-05-11 في 10:16 م[3] رابط التعليق
مقالة رائعة وواقعية، فقد عبّرت بدقة عن وهم المعرفة الذي أصبح منتشرًا اليوم، وأحسنت في التأكيد أن قول “لا أعلم” دليل وعي وتواضع لا ضعف.