بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
ورد عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله:
"سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن الإيمان إلا رسمه، ومن القرآن إلا حرفه، همهم بطونهم، دينهم دراهمهم، قبلتهم نساؤهم، لا بالقليل يقنعون، ولا بالكثير يشبعون."
إن هذه الكلمات المليئة بالحكمة والبصيرة ليست مجرد وصفٍ لمرحلة زمنية معينة، بل هي تحذيرٌ دائم للأمة من الانحراف عن القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام. فالإسلام ليس اسماً يُتداول على الألسن فحسب، وإنما هو عقيدة وسلوك وأخلاق وعمل. فإذا فقد المسلم جوهر الدين وبقي متمسكاً بالمظاهر فقط، أصبح الإسلام عنده عنواناً بلا مضمون، وشكلاً بلا حقيقة.
وعندما يتحول الإيمان إلى مجرد رسمٍ وعادةٍ اجتماعية، دون أن ينعكس أثره على السلوك والمعاملة، فإن الإنسان يفقد الغاية الحقيقية من الإيمان، التي تتمثل في تهذيب النفس وتقويم الأخلاق والسير في طريق الحق والعدل.
أما القرآن الكريم، الذي أنزله الله هدىً ورحمةً للعالمين، فقد حذر الإمام (عليه السلام) من زمن يقتصر فيه التعامل معه على تلاوة الحروف وحفظ الكلمات، دون تدبرٍ لمعانيه أو عملٍ بأحكامه. فكم من الناس يقرأ القرآن، ولكن أثره لا يظهر في معاملاته وأخلاقه ومواقفه!
ومن أخطر ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) أن يصبح همّ الإنسان محصوراً في شهواته ومصالحه المادية، فتكون البطون أكبر همّه، والمال دينه، والدنيا غايته. عندها تتراجع القيم والمبادئ أمام المصالح الشخصية، ويُقاس الناس بما يملكون لا بما يحملون من أخلاق وفضائل.
إن حب المال ليس مذموماً بحد ذاته، ولكن المذموم أن يتحول إلى غايةٍ تستعبد الإنسان وتجعله يضحي بدينه وكرامته ومبادئه من أجله. وكذلك الحال في سائر الشهوات، عندما تصبح هي المحرك الأساسي للقرارات والمواقف، بعيداً عن ميزان الحق والواجب.
وما نشهده اليوم من انتشار النزعة المادية، والتنافس المحموم على جمع الأموال، والانشغال بالمظاهر والاستهلاك، يدعونا إلى مراجعة أنفسنا والعودة إلى القيم الأصيلة التي تحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته. فالمجتمعات لا تُبنى بالمال وحده، وإنما تُبنى بالأخلاق والإيمان والصدق والإخلاص.
إن الواجب على المؤمن أن يجعل القرآن منهج حياته، وأن يترجم إيمانه إلى عملٍ صالح، وأن يوازن بين متطلبات الدنيا والآخرة، فلا يكون عبداً للمال ولا أسيراً للشهوات، بل يكون عبداً لله وحده، مسترشداً بتعاليم الإسلام وقيمه السامية.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العاملين بكتابه، المتمسكين بدينه، الثابتين على ولاية محمد وآل محمد، وأن يجنّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.



