مواقف العظماء لا تقاس و لا يجري تقييمها بقدر ما تحمله من كلمات و إشارات لوحدها ، فمواقفهم قد تختزل الكثير من المضامين و الإرشادات التي تحتاج إلى التعامل معها إلى التأمّل و الدّقة ، فمشهد واحد من سيرة شريفة و معطاءة قد يستبطن ما لا تحمله الخِطب و المحاضرات الكثيرة ، و من تلك المشاهد التي تستحقّ الإشادة و النظر فيها هي ما نُقل من وصيّة المرجع الشيخ الفياض (قده) بأن يُوارى الثرى في مكتبه الذي قضى فيه عمره المبارك ، و للوهلة الأولى قد يرى البعض فيه مجرد وصية شخصية تخصّه و لا تحمل من الدلالة أكثر من ذلك ، و لكنها - في الحقيقة - رسالة تحمل من الدلالات المعرفية و الأخلاقية الشيء الكثير لمن سبر أغوارها و ابتغى استخراج اللآليء من أصدافها ، ومضة تنسجم مع النهج المعرفي الذي سار عليه الفقهاء في ميدان بذلوا فيه كل جهودهم و أوقاتهم ، فمحور حياتهم يدور حول هذه الرسالة السامية و هي النّهم العلمي مطالعة و بحثا و تدوينا و تعليما عبر الأجيال المتلاحقة ، فالعلماء الربّانيّون أمناء السماء و حملة أمانة الحفاظ على الدين و قيمه و تبليغ الأحكام الشرعية و صناعة الشخصيات الإيمانية ، فكانت لمساتهم و عطاؤهم مثمرا قد تجلّى في وضع لبنات قوية في مسيرة التعليم و تربية النفوس فكانت هذه رسالتهم الأولى و الآخيرة ، المنسجمة مع خط الهداية الذي سار عليه الأنبياء و الأولياء و الفقهاء يحملون راية المعارف و تهذيب النفوس ليسلّموها لمن يأتي بعدهم .
و تلك القبور لهذه القامات كذلك تحمل من الدلالات و القيم المعنوية ، فإن القبر المادي لا يعطي أي مظهر من مظاهر العظمة و المكانة بقدر ما هو حكم شرعي تُستر فيه أجسام الموتى ، و لكن هناك من يبقي مستذكَرا له في سيرته الحافلة بالدروس و المنهجية التي تتأسّى بها الأجيال الإيمانية و تكون موضع اهتمام و اقتداء ، و ليس هناك أعظم من أثر صالح كعلم نافع ينتفع به طلاب الحوزة و المؤمنون ، فإن قيمة العالم تكمن فيما ينشره من هداية و معرفة تنشر القيم الدينية و القرآنية و تنير العقول و تثري المجالس العلمية بأثر يُتداول ، لا فيما يملكه من جاه أو مظهر اجتماعي زائل لا يبقى منه شيء .
اختار المرجع الفياض (قده) أن يقدّم درسا من نوع آخر بعد رحيله يضيفه مع ما خلّفه من آثار أصولية مهمة كالمباحث الأصولية و الكتب الفقهية و المحاضرات الأخلاقية و غيرها ، و هو أن القبر يعبّر عن صاحبه بما ترك من سيرة و آثار خالدة في النفوس ، فوصيّته (قده) جاءت لتعبّر عن حقيقة شخصيّته العلميّة و الزاهدة في كل المظاهر الدنيوية ، و هو غير مستغرب منه لمن اطلع على سيرته الحافلة و الحاضرة في نفوس من تتلمذوا على يديه المباركة ،
فالمكتب الذي شهد سنوات البحث الخارج و احتضن نتاجه العلمي و استقبل طلاب العلم و المراجعين لسنوات سيكون موضع قبره الشريف ؛ ليتحوّل إلى شاهد حيّ على رحلة عمر امتدّت في خدمة الشريعة و المعارف الحقة ، علما بأن المرجع الفياض (قده) قد سبقه من العلماء من أوصى بدفنه في مدْرسه أو مكتبته ، و لكنها التفاتة تربوية ينبغي إحاطتها تأملا و تدقيقا و اعتبارا .
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-08-03 130 كاميرا ذكية تراقب شبكة الطرق على مدار الساعة
- 2026-08-03 غدًا الثلاثاء.. «قبول» تطرح المقاعد الشاغرة للتقديم المباشر في التخصصات المتاحة
- 2026-08-03 دراسة حديثة: تقليل السكر في أول عامين من العمر يدعم صحة الدماغ
- 2026-08-03 ” البيئة ” تدشن مهرجان الرطب الأول باللشرقية
- 2026-08-03 “هيئة المسرح” تطلق مبادرة العمل والتعلّم في مدريد وأثينا
- 2026-08-03 طقس الإثنين.. أجواء شديدة الحرارة ورياح مثيرة للأتربة على عدة مناطق
- 2026-08-02 المرور: 3 مزايا لـ استعراض رخصة القيادة الرقمية عبر أبشر أفراد وتوكلنا
- 2026-08-02 تمديد فعاليات موسم تمور المدينة حتى الثلاثاء المقبل
- 2026-08-01 فتح باب القبول بالكليات العسكرية للخريجين الجامعيين الأحد
- 2026-08-01 ارتفاع الحرارة على الشرقية والرياض.. وأمطار رعدية ورياح تحدّ من الرؤية بعدة مناطق
المقالات > مقالات و أراء > فيض العطاء … آخر الدروس (١) : قراءة في وصيّة المرجع الراحل الشيخ محمد إسحاق الفيّاض (قده)
السيد فاضل علوي آل درويش



