في قلب هذا الوجود الإنساني، يقف الإنسان حائراً في كثير من الأحيان، متأملاً في ذلك الخط الفاصل الدقيق بين النور والظلمة، بين الحق والباطل. ذلك أن الانزلاق نحو الضلال لا يحدث دائماً بقفزة عملاقة، بل يبدأ غالباً من خطوة أولى تكاد تكون غير مرئية.
تتجلى هذه الحقيقة بأبهى صورها عندما ننظر إلى فضيلة الشجاعة كمثال. فالشجاعة في نصرة المظلوم وإعلاء كلمة الحق تُعدّ ذروة مكارم الأخلاق، ولكن إن تجاوزت حدود العقلانية والتبصر وتحولت إلى تهور أعمى يُلقي بالنفس في المهالك، فإنها تفقد قدسيتها وتصير هلاكاً، فتتحول من الحق إلى الباطل في لحظة واحدة.
لإضافة المزيد من العمق والاتساع إلى هذا الموضوع، يمكننا التطرق إلى التباس المفاهيم في عصرنا الحالي، حيث تتداخل الصور وتختلط الحقائق في كثير من شئون حياتنا , ونضرب الأمثلة التالية: ـ
في مسألة النصح: ـ
فالإنسان الذي يسعى لإصلاح أخيه يقدم النصيحة بدافع الحب والرغبة في الخير، وهذا حقٌ وصواب. ولكن، إذا غلب على تلك النصيحة القسوة، او اصبحت النصيحة أمام أعين الناس بهدف التشهير والانتقاص من القدر، فقد تبدلت غايتها النبيلة وانقلبت إلى إيذاء وظلم، وما عادت نصيحة بل باتت باطلاً مقنعاً بغلاف النصيحة.
في مسألة الدفاع عن الحق: ـ
في الدفاع عن مبدأ حق تعتبر فضيلة، ولكن إن تجاوزت حدود الحكمة وتحولت إلى تهور يضر بالنفس والآخرين، فقد دخلت في دائرة الباطل.
في مسألة الطموح وكسب المال: ـ
الطموح هو المحرك الذي يدفع الإنسان للإعمار والارتقاء، وهو أمر مشروع وممدوح. لكن، إن طغت الرغبة دون وازع من ضمير أو أخلاق، وتحولت إلى طمع وجشع يلتهم الأخضر واليابس دون مراعاة للحلال أو الحرام فإنها تخرج من دائرة الكسب المشروع إلى دائرة الباطل.
مما تم سرده أعلاه.. يتبين ان هناك منطقة تماس دقيقة بين الحق والباطل، وهي الأمور المشتبهة التي تحتاج إلى حذر شديد لتمييزها. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى اليقظة الروحية والنفسية, حيث ان تمييز هذه الحدود الرفيعة يتطلب بصيرة نافذة وشفافية قلبية، لئلا يغترّ المرء بظاهر الأفعال فيظنّ نفسه على الحق وهو في غمرات الباطل. فالضمير الحي هو بوصلتنا الوحيدة في هذا الصراع الدقيق.




التعليقات 3
3 pings
غير معروف
2026-06-11 في 5:15 ص[3] رابط التعليق
نتفق تماماً مع هذا الطرح الفلسفي العميق، الذي يلامس جوهر التوازن في السلوك الإنساني. إن التأكيد على أن ‘منطقة التماس’ بين الحق والباطل تتطلب يقظة روحية وبصيرة نافذة، هو دعوة ملحة لتعزيز الرقابة الذاتية والضمير الحي كمرجعية ثابتة في عصر اختلاط المفاهيم. مقال رصين يضع النقاط على الحروف في أهمية الحكمة والاعتدال لضمان بقاء الفضائل في مسارها الصحيح.
غير معروف
2026-06-11 في 9:24 ص[3] رابط التعليق
احسنتم ,, وبارك الله فيكم
علي حسين الموسى
2026-06-11 في 9:26 ص[3] رابط التعليق
احسنتم ,, وبارك الله فيكم