في جلال النص القرآني , لا تمر الكلمة عبثا , ولا يتقدم لفظ على آخر إلا ببالغ الحكمة ولطيف الإشارة. إن التقديم والتأخير هندسة بيانية تأخذ بقلب القارئ ليتأمل عُجَابَ الخلق ودقائق التشريع. وللنظر في تلكم الاسرار ,, دعونا نغوص في بحر الاعجاز البلاغي من خلال تتبع بعض المواضع التي تبين كمال البيان ودقة الصياغة في التقديم والتأخير في آيات الله.
أولا: السمع والبصر.. إعجَازُ الخلق وَتَرتِيبُ الحَوَاس
نجِدُ فِي النَص الشَّرِيف تقديم السَّمعِ عَلَى البَصر في غَالِب المَوَاضِع؛ فما السِّرُّ فِي ذلك؟
- حاسة السمع هي أول نافذة تتفتح للجنين في بطن أمه ليتصل بالعالم الخارجي , وهي آخر حاسة ينفك عنها الإنسان عند سكرات الموت. كما ان السمع يعمل في الظلام والنور , ويستقبل الصوت من كل الاتجاهات , بخلاف البصر الذي يتطلب الضوء والمواجهة. فكلمة السمع سابقة لأنها الاعمق أثرا في وعاء الوعي الإنساني.
ثانيا: المَالُ والاولاد.. بين شغف العاجلة وعِظم الفتنة
يتكرر في القرآن تقديم المال على الأولاد كما في قوله تعالى: (أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ)؛ فلماذا كان المال مقدما في معظم الآيات؟
- المال زينة يحتاجها الكبير والصغير , ويسعى إليه المتزوج والاعزب , فشغفه يعم الجميع , بينما الأولاد نعمة يختص بها البعض. أيضا ,, فإن المال ينفق على الأولاد وهو العصب الذي تقام به الحياة ويقع فيه الابتلاء قبل كل شي.
- وحين يتقدم " الأولاد " في مواضع محدودة , يكون المقام مقام عطف او فخر او دفع اذى يقع على الذرية خاصة , فيتأخر المال ليحل الاهتمام بالأبناء أمام المشاعر الإنسانية المجبولة على حمايتهم.
ثالثا: السِّرُّ وَالجَهْر.. خبايا القلوب وما أعلنته الألسن
تتنوع الآيات بين تقديم السر على الجهر او عكسه , ولكل مقام مقال
تقديم السر: يأتي لتبين أن الله يعلم المخفيات قبل المعلونة , فالسر عند خالق الكون جهر , وما يكتمه الصدر أولى بالإحاطة والعلم.
تقديم الجهر: يأتي في مواضع يتعلق فيها السياق بالأعمال الظاهرة كالنفقات والدعوة , حيث يكون الجهر هو المشهود أمام الخلق فََيُبْدَأُ به ثم يُعْقَبُ بالسر.
ختاما ,, إن إعجاز الترتيب في القرآن يكشف عن ان كل حرف قُدِّمَ أَوْ اُخِّرَ انزل بمقدار، لِيُطَابِقَ مَقَامَ الحَال، ويخاطب العقل والوجدان في آن واحد. كما نرى ان اسرار التقديم والتأخير في الذكر الحكيم ليست مجرد اشكال لغوية بل هي لوحات بيانية دقيقة تكشف عن عظمة البيان الإلهي وتربط بين ظاهر اللفظ وباطن الحكمة , لتظل هذه الآيات شاهدة على إيجاز لا ينفذ ونور لا ينطفئ.



