يقف الإنسان أمام هذا الكون الفسيح متأملاً غوامضه، باحثاً في تفاصيله عن فك رموز الزمان والمكان. وما يثير العجب والدهشة، أن نجد في ثنايا النص القرآني إشارات لطيفة ودقيقة ألمحت إلى حقائق كونية وقوانين فيزيائية لم يتوصل إليها العلم الحديث إلا بعد قرون طويلة من البحث والاستكشاف. ولنستعرض معا بعضا من هذه الإشارات العميقة التي تتناول أبعاد الزمان والمكان من خلال هذه المحاور الدقيقة: ـ
١. نسبية الزمن: حين يتمدد الوقت ويبطئ
ظل الإنسان لقرون يعتقد أن الوقت مفهوم ثابت يسير بالإيقاع نفسه في كل مكان، حتى جاءت الفيزياء الحديثة بنظرية النسبية لتثبت أن "الزمان متغيّر وينسج مع المكان نسيجاً واحداً".
غير أن القرآن الكريم أشار إلى هذا المفهوم الدقيق بنص وافي الشفافية، مظهراً أن التقدير الزمني يختلف باختلاف العوالم والمقاييس؛ فنجد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، وفي موضع آخر: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
هذه الإشارات لا تعبر فقط عن عظمة الخالق، بل تفتح الذهن لفكره نسبية الزمن واختلاف إدراكه وحسابه بحسب النظم والسرعات والعوالم.
٢. ظلمات البحار والأمواج العميقة: أسرار في الأعماق
طالما نظر البشر إلى سطح البحر كعالم رائع من الأمواج والشواطئ، لكن ما يحدث في أعماق المحيطات السحيقة كان سراً مجهولاً حتى اخترع الإنسان غواصات الأعماق.
لقد كشف العلم الحديث عن وجود أمواج داخلية تتكون في أعماق المحيطات عند مناطق التمايز بين طبقات المياه مختلفة الكثافة، فوقها تعلو الأمواج السطحية التي نراها، وتتحكم في تلك الأعماق ظلمات شديدة لا يُرى فيها الكف!
وهذا بالضبط ما صورته الآية الكريمة بأدق تفصيل بديع: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. إنها صياغة تعبيرية تنبض بالدقة العلمية والجمال البياني.
٣. اتساع الكون: حركة متصلة لا تتوقف
كان التصور السائد لقدامى الفلكيين أن الكون ثابت ومستقر. لكن في أوائل القرن العشرين، أحدثت تلسكوبات حديثة ثورة حين اكتشف العلماء أن المجرات تبتعد عن بعضها، وأن الكون في حالة توسع مستمر دائم.
وهنا تجلت العبارة القرآنية الإعجازية في كلمتين تتجاوزان حدود وقتهما: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾. تأتي صيغة اسم الفاعل (لَمُوسِعُونَ) لتدل على الاستمرار والتجدد، وكأن النص يصف حركة الكون الديناميكية الحالية بدقة لا متناهية.
ختاما ,, إن الإشارات القرآنية للكون وقوانينه تدعو العقل البشري ليتفكر ويتدبر. إنها تتكامل مع العلوم الحديثة لترسم لوحة يمتزج فيها نور الإيمان ببصيرة العلم، وتؤكد أن هذا الوجود المنظم يحمل في كل زاوية منه بصمة إتقان وإعجاز لا تنقضي عجائبه.



