في فجرِ التاريخ، أشرقَ ميلادُ نبيِّ الإنسانيةِ محمدٍ صلى الله عليه وآله، لينثرَ نوراً يضيءُ دروبَ بناءِ الإنسانِ والمجتمعِ الحديث. ولأنَّ تجديدَ العهدِ بهدي النبوةِ يمرُّ عبرَ محطاتٍ عمليةٍ تعيدُ تشكيلَ واقعِنا القيميِّ وترتقي بنا، نستعرضُ الركائزَ الأساسية التالية :ـ
أولاً: وحدةُ الصفِّ ونبذُ الفرقة
إنَّ قوةَ المجتمعِ وتلاحمَه تكمنانِ في وحدةِ الكلمةِ والتحذيرِ من الشقاقِ الذي يوهنُ البنيان. فالعملُ الجماعيُّ الصادقُ والتلاحمُ يمثلانِ الصخرةَ التي تتحطمُ عليها كلُّ محاولاتِ التمزيقِ الداخلي. قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)
ومن الهدي الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (يدُ الله مع الجماعةِ، فمن شذَّ شذَّ إلى النارِ)
ثانياً: التعايشُ وقبولُ التنوع
جاءت رسالةُ الإسلامِ لتؤكّدَ أنَّ بناءَ المجتمعِ يعتمدُ على قبولِ الآخرِ واحترامِ التنوع، جاعلةً من الحوارِ والتفاهمِ سبيلاً حضارياً للتعايش السلميِّ وإرساء العدل. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
ومن نهج المعصومين: قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام (فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)
ثالثاً: مفهومُ الجسدِ الواحد
تتجلى الوحدةُ الإسلاميةُ في أبهى صورِها من خلالِ التضامنِ والتعاطفِ بين أفرادِ الأمة، حيث يصبحُ الألمُ والأملُ شأناً مشتركاً يعزّزُ من الترابطِ الاجتماعيِّ والروحي. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)
ومن الهدي الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
رابعاً: تحويلُ العاطفةِ إلى عملٍ بنّاء
إنَّ الاحتفالَ الحقيقيَّ يستوجبُ تجاوزَ المشاعر العابرةِ إلى تبنّي القيمِ العمليةِ في الحياةِ اليوميةِ، كالإيثارِ والعدلِ والصدقِ ونفع الناس. قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)
ومن نهج المعصومين: قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام ( كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية)
خامساً: البناءُ والتنميةُ والإسهامُ المجتمعيّ
إنَّ اتباعَ هدي النبيِّ صلى الله عليه واله يقتضي أن يكونَ الفردُ عنصراً فاعلاً في مجتمعِه، يبني ويعمّر، ويسهمُ في تنميةِ محيطِه، مبتعداً عن السلبيةِ والاتكال. قال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)
ومن الهدي الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه واله (خيرُ الناسِ مَن نَفَعَ الناسَ)
ختاما ,, يظل مولد نبي الرحمة محمد صل الله عليه وآله منطلقا متجددا لإحياء القيم الإنسانية السامية , فهو صلوات الله عليه مدرسة مستمرة تعلمنا كيف نحيا بمحبة وسلام , وكيف نبني مجتمعات متماسكة تسودها العدالة والتكافل. إن استلهام سيرته يفرض علينا جميعا مسئولية تجسيد هذه القيم ميدانيا من خلال نصرة المظلوم , ومد يد العون للمحتاج , والسعي الحثيث لنشر الخير والمعرفة. فلنكن خير سفراء لهذا النور , حاملين مشاعل الإصلاح بأمانة وإخلاص , لنسهم في بناء غد مشرق تسعه القلوب وتسعها المبادئ الإنسانية العظيمة التي جاء بها نبينا الكريم



