تشكل العمالة الوافدة جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية؛ إذ تشارك في بناء مدننا، وتشغيل مصانعنا ومستشفياتنا، والعناية بمنازلنا وأسرنا. نرى آثار عملهم في كل مكان، لكننا لا نلتفت دائمًا إلى الإنسان القابع خلف هذا الإنجاز.
ولعل ما دفعني إلى كتابة هذه السطور ليس مجرد رصد ظاهرة اجتماعية، بل هو شعورٌ شخصي صادق -ولعله يشاركني فيه الكثيرون- بأننا، وفي زحمة انشغالاتنا اليومية، قد سقطنا دون قصد في فخ "التغافل" عن هذه الشريحة. نراهم كل يوم، لكننا متغافلون عنهم ولا نعيرهم اهتمامنا ؛ عبَرْنا بجانب إنسانيتهم دون أن نلتفت إلى ثقل ما يحملونه في وجدانهم. ننشغل بما يُنجزه العامل، ونغفل عما يحمله من مشاعر وثمن نفسي باهظ يدفعه لقاء الغربة والابتعاد عن وطنه، وحاجته الملحّة إلى أن يُعامل كإنسان كامل الكرامة، لا مجرد آلة إنتاج.
تبدأ معاناة العامل منذ لحظة مغادرته وطنه؛ حيث يترك أسرته ومحيطه المألوف مدفوعًا بأمل تحسين حياة من يحب. غير أن هذه الرحلة -التي تبدو اقتصادية في ظاهرها- تحمل في طياتها تجربة نفسية شاقة؛ إذ يجد العامل نفسه في مجتمع مختلف لغةً وعادات، فيعجز عن التعبير بسهولة عن احتياجاته ومخاوفه. ومما يزيد الأمر قسوة، أن تمضي السنوات وهو يرقب نمو أبنائه عبر شاشات الهواتف، يشاركهم الأفراح والأحزان عن بُعد، وتفوته تفاصيل حياتهم الصغيرة التي لا تُسترد.
وتتضاعف مرارة الغربة حين يشعر العامل بأنه غير مرئي اجتماعيًا؛ إذ يُختزل غالبًا في مهنته أو جنسيته، أو يُخاطب بصيغة الفوقية والأمر، وقد يتعرض للسخرية بسبب مظهره أو طبيعة عمله، فيتولد لديه شعور مؤلم بأنه مقبول فقط ما دام يقدم خدمة، ولكنه غير مرحب به كفرد في المجتمع. وتكمن المشكلة في أن الكرامة لا ترتبط بحجم الراتب وحده، بل بطبيعة المعاملة اليومية؛ فالعامل الذي يتقاضى أجره لكنه يواجه الإهانة أو الصراخ لا يعيش تجربة عمل كريمة. كما أن تأخير الأجور، أو حجز جوازات السفر، أو فرض ساعات عمل تعسفية ليست مجرد مخالفات إدارية، بل هي مصادر دائمة للخوف والقلق؛ فالإنسان الذي يفتقد حرية الاعتراض قد يقبل بظروف قاسية قسرًا للحفاظ على رزقه وإقامته.
وتظهر هذه المعناه بصورة أشد لدى العمالة المنزلية نظراً لعملهن داخل البيوت بعيدًا عن الرقابة، حيث تُلقى على كاهل العاملات مسؤوليات شاقة تمتد من الصباح إلى الليل دون قسط كافٍ من الراحة أو الخصوصية. وتزداد المشكلة تعقيدًا حين تُستغل عبارة «هي واحدة من العائلة» لتبرير استنزاف طاقتهن وتجاوز حقوقهن؛ فالانتماء الحقيقي لا تصنعه الشعارات، بل يترجمه الاحترام، وتحديد ساعات العمل، وضمان الراحة والخصوصية والمعاملة الحسنة.
وفي الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام غالبًا على الصحة الجسدية للعامل حين تعيقه الإصابة عن الإنتاج، تُهمل صحته النفسية لخفائها، فقد يستمر العامل في أداء مهامه اليومية وهو يعاني داخليًا من الاكتئاب أو القلق أو الإنهاك النفسي دون أن يلاحظ أحد ألمه، وكأن صحته لا تهم إلا بمقدار ما تضمن استمرار إنتاجيته.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الانفصال الأسري، والتمييز، وعدم استقرار العمل يزيد من مخاطر الاضطرابات النفسية لدى العمال المهاجرين، وتظهر هذه المعاناة على شكل عزلة، أو اضطرابات نوم، أو خوف دائم. ومع ذلك، قد يفضل العامل الصمت؛ إما لجهله بالجهات التي يلجأ إليها، أو خوفًا من أن تُفسر شكواه كضعف أو تمرد.
إن العناية بالصحة النفسية للعمال ليست ترفًا بل هي حق أصيل تبدأ من إجراءات بسيطة وعميقة الأثر، تتجسد في منحهم أوقات راحة كافية، وتسهيل تواصلهم مع أسرهم، والاستماع إلى مشكلاتهم بحسن نية وتوفير ملاذ آمن لشكواهم، فضلًا عن مراعاة لغة الخطاب اليومية بأن نناديهم بأسمائهم ونشكرهم، ونرسخ في أبنائنا قيمة الإنسان بذاته لا بمهنته أو دخله.
ولا تعني المطالبة باحترام العمال التغاضي عن أخطاء بعضهم؛ فكل فرد مسؤول عن تصرفاته، لكن الخطأ الفردي لا يبرر التعميم والتنمر على جنسية كاملة، كما أن حاجة العامل للوظيفة لا تمنح أرباب العمل حق إذلاله، فالرابطة العادلة تقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة والمحاسبة المنصفة التي تحفظ كرامة الجميع. ختامًا، لا تُقاس إنسانية المجتمعات بما تشيده من عمران ومؤسسات فحسب، بل بكيفية معاملتها لمن يشاركون في بناء هذا العمران، وحين نكف عن رؤية العامل بوصفه مجرد وظيفة، ونراه إنسانًا كاملاً بكرامته ومشاعره، نكون قد خطونا الخطوة الأولى والأساسية نحو مجتمع أكثر عدلاً ورحمة.




