لهذا المقال حكاية، بدأت حين عدتُ الأسبوع الماضي إلى كتابٍفي تطوير المركبات الدوائية، أراجع من خلاله المفاهيم الصيدلانيةالأساسية تمهيداً لكتابة ملخص حول المناهج الحديثة في تطويرالدواء. وبينما أتصفح الفصل المخصص للخصائصالفيزيوكيميائية للدواء المثالي، استوقفني مفهوم “قاعدة ليبينسكيللخمسة” (Lipinski’s Rule of Five). لم تبدُ لي مجرد شروطلتقييم النفاذية والامتصاص، بل بدت كأنها نموذج مصغّر لمايحكم “التوافر الحيوي” للأفكار والشخصيات في النسيجالاجتماعي.
ولعلّ تكويني الصيدلاني هو ما جعل مفاهيم مثل “النفاذية” و”التمازج” و”التوافر الحيوي” تتحول إلى عدسات أرى بها العالم. فكما تُعلّمنا الصيدلة كيف يعبر الدواء إلى الجسد، يظل السؤالمفتوحاً: من يعلّمنا كيف تعبر الأفكار إلى العقول، والأشخاصإلى القلوب؟ هنا انقدحت الشرارة: ربما تخفي قاعدة ليبينسكي— إلى جانب معادلاتها — وصفةً للقبول الإنساني، لاللامتصاص الدوائي فقط.
وليس هذا الربط بين الكيمياء والعلاقات وليد المصادفة؛ فاللغةالدارجة سبقت العلم حين قالت بالإنجليزية: There is chemistry between them. وتراثنا الروحي بدوره جعلالكيمياء رمزاً للتحول النفسي كما في عنوان كتاب الغزالي“كيمياء السعادة”. فالكيمياء — ابنة الخيمياء — ورثت فكرةالتحويل: تحويل الرصاص ذهباً، وتحويل الأخلاق نفوراً إلىانسجام. ومع تطور العلم، استبدل الإنسان بالطلاسم معادلاتوبالحدس قياساً، لكنه لم يتخلَّ عن جوهر السؤال: ما الذي يجعلشيئاً ما قابلاً للامتزاج؟ سؤال واحد، تغيّرت أدوات الإجابة عنه،وظل الإنسان موضوعه الأول.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الصيدلي بوصفه الامتدادالحديث للكيميائي القديم؛ ذاك الذي كان يبحث عن سرّ التحوّلفي المعادن، بينما يبحث الصيدلي اليوم عن سرّ التحوّل فيالإنسان نفسه: كيف يعبر الدواء إلى الجسد. ومع تطور العلم،تغيّرت الأدوات، لكن جوهر السؤال بقي كما هو: ما الذي يسمحلشيء ما أن يعبر؟
تنص قاعدة ليبينسكي على خصائص بنيوية تجعل الجزيء أكثرقدرة على عبور الأغشية الحيوية: وزن جزيئي منخفض، عددمحدود من مانحات ومستقبلات روابط الهيدروجين، ومعامل ذوبانيوازن بين البيئة المائية والدهنية. وإذا نقلنا هذه “المرشحات” إلىعالم العلاقات — بوصفها تشبيهاً تفسيرياً لا قانوناً اجتماعياًصارماً — سنجد هندسة لافتة للقبول الإنساني عبر ثلاثة محاور:
1. الوزن الجزيئي: خفة الحضور وبساطة الطرح
في الكيمياء، الجزيئات الضخمة تعجز عن عبور غشاء الخلية. وفي الحياة الاجتماعية، يمثل “الوزن الجزيئي المرتفع” الشخصيات المثقلة بالتكلف الفكري أو الخطاب المعقّد الذي لايراعي سياق المجلس ولا حاجة المستمع. الشخص الذي يصرّعلى استعراض عضلاته المعرفية في حديث عابر يشبه جزيئاًضخماً يستعصي على العبور.
أما الرشاقة في الحضور، والبساطة في الطرح، وحسن اختيارالتوقيت، فهي ما يمنح الفكرة نفاذية سلسة إلى العقول والقلوب.
2. روابط الهيدروجين: التوازن بين العطاء والإنصات
في الكيمياء، ثمة جزيئات “تمنح” الهيدروجين وأخرى “تستقبله”. وفي العلاقات، يمكن أن نرى في الأولى صورة العطاء والاندفاع،وفي الثانية صورة الاستقبال والإنصات.
الإفراط في التنازلات والانكشاف العاطفي منذ اللقاءات الأولى قديُربك الطرف الآخر ويولّد شعوراً بالثقل، حتى لو كانت النواياطيبة. وفي المقابل، فإن الاستقبال المفرط لطاقات الآخرينوسلبياتهم يرهق البناء النفسي للفرد ويجعله هشاً.
العلاقات الصحية تتطلب مرشحات واعية: عطاءً محسوباً،وإنصاتاً منتقى، وتوازناً يحمي الطرفين من الغرق أو الاستنزاف.
3. معامل الذوبان: مرونة المرور وحفظ الجوهر
يقيس معامل (LogP) قدرة المركب على الذوبان في الوسطينالمائي والدهني. وفي العلاقات، يمكن أن نرى في هذا الميزانصورة الذكاء الاجتماعي:
• الشخص “المائي”: يفتقر إلى هوية واضحة، فيذوب في آراءالآخرين ومواقفهم حتى يفقد تميّزه واحترامه لذاته.
• الشخص “الدهني”: ينغلق داخل قوقعته الفكرية أو الفئوية،يرفض الاختلاف ويقاوم أي محاولة للامتزاج مع الواقع أو الناس.
النجاح الاجتماعي يحتاج إلى “ذوبان ذكي”: مرونة تستوعبالتنوع، وصلابة داخلية تحمي جوهر المبادئ دون تصلّب أو ذوبانكامل.
ما بعد البناء الجزيئي: حدود القواعد أمام واقع البيئة
حتى الجزيئات المصممة بعناية قد تصطدم بحواجز لا تسمحبمرورها، أو بآليات في الجسم تعمل على طردها قبل أن تُحدثأثرها. وفي العلاقات الإنسانية، نجد ما يشبه هذه المقاومةالبيولوجية: بيئات اجتماعية مغلقة، أو تجارب سابقة مؤلمة، أوانحيازات راسخة تجعل قبول “الآخر” أمراً صعباً مهما كانتصفاته طيبة.
وكما لا يُعدّ الدواء فاشلاً إذا لم تتوفر له البيئة المناسبة، لا يُعدّالمرء فاشلاً إن تعثر حضوره في محيط لا يملك الاستعدادلاستقباله. الحكمة لا تقف عند تهذيب الذات، بل تمتد إلى اختيارالبيئة التي تسمح بالاندماج والاستقرار.
خاتمة
التأمل في قاعدة ليبينسكي يلمّح إلى أن قبول الأفكاروالشخصيات في المجتمع ليس أمراً عشوائياً، بل يخضع لعناصريمكن فهمها ومراجعتها. وربما يكون من المفيد لكل واحد منا أنيتأمل “كيمياء حضوره”: هل هو خفيف بما يكفي، معتدل فيعطائه، مرن في تفاعله، دون أن يفقد جوهره؟
فقد يحتاج المرء أحياناً إلى تعديل “جرعة” حضوره، وقد يحتاجفي أحيان أخرى إلى إعادة تركيب الدواء كله؛ أي إعادة بناءطريقته في التفاعل مع العالم.




