في فضاءاتنا الرقمية المفتوحة ومجموعات التواصل الاجتماعي، تطل علينا ظاهرة خطيرة ترتدي ثوب الحداثة والتطوير؛ غيبةٌ من نوع جديد لا تعتمد صراحة الأسماء، بل تتستر خلف أقنعة التلميح، والرمزية، وادعاء الحرص على المصلحة العامة. يعتقد البعض واهمًا أن مجرد إخفاء هوية المقصود، أو استخدام الأوصاف المبهمة، يعفيهم من وزر الغيبة وإثم الإساءة. غير أن الحقيقة الشرعية والأخلاقية تؤكد أن الغيبة في جوهرها هي "ذكرك أخاك بما يكره" سواء أسميته صراحة، أم أشرت إليه بصفة أو رمز يفهمه الحاضرون أو المتابعون. ولإغلاق كافة المنافذ وتفكيك الحجج التي يتستر خلفها الممارسون لهذا السلوك، نستعرض في هذا المقال الذرائع الشائعة والرد المنطقي والشرعي عليها.
أولاً: وهم التلميح والتحجج بعدم ذكر الاسم
يتخذ البعض من عدم تصريحهم بالاسم ملجأً يظنون أنه ينجيهم من الإثم، فيقول أحدهم "أنا لم أذكر اسماً بعينه !" وهذا الفهم قاصر ومغلوط شرعاً وعرفاً, فالغيبة تقع بالإشارة، وبالإيماء، وبالتلميح الذي يفهمه أهل المجلس أو أعضاء المجموعة. بل إن الغيبة بالتلميح والرمز أشد خطراً وأعظم إثماً، لأنها تعكس ضعف الموقف وجبن المواجهة , حيث يطلق المغتاب سهامه وهو يتوارى خلف ادعاء عدم التسمية.
ثانياً: شعرة النقد الفاصلة بين التقييم الموضوعي والطعن في الكفاءة
يتذرع البعض بأنهم لا يستهدفون الأشخاص، وإنما يمارسون حقهم في نقد الأداء والعمل. لكن الواقع يكشف أن هذا الحديث سرعان ما ينحرف ليتحول إلى تجريح مبطن يطعن في أهلية الآخرين، وكفاءتهم، وفهمهم، وتصويرهم بمظهر العاجز أو غير الكفء.
إن هناك خطاً فاصلاً بين النقد الإداري والمهني البنّاء الذي يركز على المخرجات والحلول بأسلوب موضوعي ورسمي، وبين اللمز والهمز في المجموعات العامة الذي يستهدف تهشيم الصورة الشخصية والاجتماعية للمسؤول، وهذا هو عين الغيبة والافتراء.
ثالثا: ذريعة الإصلاح والمصلحة العامة
من أكثر الحجج شيوعاً قول البعض "أنا أتكلم بدافع الحب للمكان، والرغبة في التطوير، والمصلحة العامة" والرد على هذه الذريعة واضح: الإصلاح لا يُبنى على المعصية، والمصلحة العامة لا تُنال بالأساليب المحرمة.
إذا كانت النية صادقة في الإصلاح، فإن القنوات الرسمية والتواصل المباشر مع الجهات المعنية أو الشخص نفسه هما الطريق الشرعي والنظامي القويم. أما طرح الملاحظات في المجموعات الرقمية على الملأ بالغمز والتعريض، فهو لا يقدم حلاً، بل يورث الفتنة، ويثير الضغائن، ويفرق الكلمة.
رابعاً: التعلل بـ "الواقع والمعلوم لدى الجميع"
يقول بعض المغتابين: "أنا لم أذكر إلا ما هو موجود فيه فعلاً، والجميع يعلم ذلك!". وهذا التبرير هو صلب الغيبة التي حذر منها النبي الأكرم صلوات الله عليه. فالغيبة ليست افتراءً بالضرورة، بل هي ذكرك للعيوب الواقعية التي يكره صاحبها أن تُذكر عنه أمام الناس. أما إذا لم تكن فيه، فتلك مصيبة أكبر وهي "البهتان".
خامساً: التحذير الشرعي والنصوص الدينية القاطعة
لقد جاء القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة وأحاديث أهل البيت عليهم السلام لتقطع دابر هذه الممارسات وتغلق بواديها:
* من القرآن الكريم: صوّر الله تعالى شناعة هذا الفعل بأسلوب يهز الوجدانيات، فقال عز وجل (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (فشبه الغيبة بأبشع صورة يستقذرها الطبع البشري.
* من السنة النبوية: عن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله): لما سُئل عن الغيبة قال: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ).
* من المأثور عن أهل البيت: ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام تحذير قاطع للساقطين والمتلقين على حد سواء: (سَامِعُ الْغِيبَةِ كَالْمُغْتَابِ) ، مما يؤكد أن التفاعل مع هذه المنشورات أو الصمت عنها في المجموعات دون إنكار يعد مشاركة صريحة في الإثم.
ختاما ,, إن الكلمة أمانة، والمنصات الرقمية ومجموعات التواصل إنما أُوجدت للتقارب، وتبادل النفع، وبناء المجتمع، وليست ساحات للنيل من كرامات الآخرين او السخرية منهم تحت أي شعار. وعلينا أن نتذكر دائماً أن الله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن الحصافة والأخلاق النبيلة تقتضيان الترفع عن كل ما يخدش المروءة. لنربّ أنفسنا وألسنتنا على قول الخير أو الصمت، فالنجاة في السلامة، والكلمة الطيبة صدقة تبني ولا تهدم.



