في بحر البيان القرآني، تجري الكلمات وفق ميزان إلهي دقيق؛ فلا تُعرَّف لفظة عبثاً، ولا تُنكَّر أخرى صدفة. إن التعريف والتنكير في النظم القرآني أسلوب لغوي للتمييز بين المعلوم والمجهول، وهو مرآة تنعكس فيها أسرار البلاغة الإلهية، وتتجسد من خلالها معانٍ جليلة تضفي على النص بعداً إعجازياً وجمالياً يلمس الروح ويخاطب العقل.
دلالات التعريف ببُعدها البلاغي: ـ التعريف في اللغة أداة لحصر المعنى وتحديده، لكنه في القرآن الكريم يتحول إلى أداة بيانية تنقل الذهن من مجرد العلم بالشيء إلى غايات بلاغية وتربوية عميقة. ومن أبرز صور التعريف والتنكير في الآيات القرآنية نذكر التالي: ـ
1/ التعريف للعهد الذهني والذكري: ـ يأتي التحديد بـ (أل) التعريف ليحيل الذهن مباشرة إلى حقيقة مشخصة ومسبوقة في المعرفة، سواء أكان ذلك بذكر سابق أم باستقرار المفهوم في الذهن: كقوله تعالى (فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)
البلاغة: جاءت كلمة "الرَّسُولَ" معرفة بـ (أل) العهدية لتشير إلى نبي الله موسى (عليه السلام) الذي قُدّم ذكره في الآية السابقة؛ وكأن الشاشة القرآنية تسلط الضوء على الشخص ذاته لترسيخ الواقعة التاريخية وتأكيد الحجة.
2/ التعريف لاستغراق الجنس والشمول: ـ تُستخدم (أل) الاستغراقية لتستوعب الحقيقة البشرية أو الكونية بأكملها دون استثناء، مما يضفي على النص طابع الكلية والتعميم الإلهي. كقوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)
البلاغة: لم تُعرَّف كلمة "الْإِنسَانُ" لتحديد فرد بعينه، بل لتشمل الجنس البشري في كل زمان ومكان، معبرةً عن سمة أصيلة ولازمة للتكوين الإنساني أمام قدرة الخالق.
3/ أسرار التنكير وأبعاده البيانية: ـ إذا كان التعريف يُحدد ويُخصّص، فإن التنكير في القرآن الكريم يفتح آفاق المعنى ويُطلق الخيال، ليحقق أغراضاً متعددة تتراوح بين التعظيم والتحقير، والتقليل والعموم.
- التنكير للتعظيم والتهويل: ـ يُجرَّد اللفظ من التعريف لتتسع أبعاده في الذهن وتتسامى بلا حدود، مستحضراً هيبة الموقف أو عظمة المعنى: كقوله تعالى (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)
- البلاغة: نُكِّرت كلمة "حَرْب" لتبث في النفوس مهابة لا تتسع لها التعريفات؛ فهي حرب غير محدودة المعالم، لا يحيط بوصفها منشأ ولا طاقة للبشر بلقائها.
- التنكير للتحقير والتصغير: ـ ينزل التنكير باللفظة إلى أدنى درجات المهانة والضآلة إظهاراً لهوان المادة الأولية أو هوان قدر الشركاء أمام الله, كقوله تعالى (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)
- البلاغة: جاءت كلمة "شَيْءٍ" منكّرة ومبهمة لتقليل شأن النشأة الأولى وتذكير الإنسان بضعف أصله أمام كبرياء الخالق وعظمته.
- التنكير للتقليل والندرة: ـ يُستخدم التنكير للتدليل على القلة المتناهية والدقة الشديدة، لبيان شمول العلم الإلهي ونفي الملكية عن غيره حتى في أصغر الأجزاء كقوله تعالى (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)
- البلاغة: نُكّرت "ذَرَّةٍ" لتؤكد أقصى درجات الضآلة والقلة، وليمتد نفي الملكية إلى أدق أجزاء الوجود التي لا تُرى بالعين المجردة.
ختاما,, إن الوقوف على هذه الفروق الدقيقة بين التثبيت بالتعريف والإطلاق بالتنكير يفتح للمتدبر قبساً من أنوار الإعجاز البياني، ويمنح الروح ذائقة لغوية تشعر بوزن كل حرف وموقعه في كتاب (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)إن التدبر في كتاب الله رحلة متجددة في رحاب البيان الإلهي، تكشف في كل مرة عن عظَمته ودقة كل كلمة خُطّت فيه



