في خضمّ النقاشات الفكرية والحوارات المجتمعية , والتي نشهدها في مناظرنا اليومية، تبرز ظاهرةٌ سلوكيةٌ ناتئة تكشف عن ارتباكٍ في المنهج وضعفٍ في أدوات الحجّة؛ ألا وهي ظاهرة "محاكمة النوايا" والقفز فوق المنطق للحكم على ما تكنّه الصدور. إن النقاش الرشيد يقتضي مقارعة الفكرة بالفكرة، والرد على البرهان بمثله، غير أن العجز عن مجاراة الحجة كثيراً ما يدفع صاحبه إلى الانزلاق نحو سراديب التأويل المنحاز، مستنفراً سياط التشكيك والاتهام، ومتحولاً من القبول بالظاهر الملموس إلى ادعاء علم الباطن المجهول. ولكي نقف على أبعاد هذه الظاهرة وتأثيرها على بِنْية الحوار الرشيد، يجدر بنا تفكيك محاورها عبر النقاط الآتية:
أولاً: حرمة الغيب وتجاوز الحدود الإنسانية: ـ إن النوايا والمقاصد منطقةٌ محجوبةٌ بعناية الإله عن أبصار البشر وعقولهم؛ فلا يعلم خفايا الصدور ولا السرائر إلا الله سبحانه وتعالى. وإن لجوء المرء إلى القفز فوق الأدلة الظاهرة ليُصنّف نفسه "قاضياً على الضمائر" يعدّ تعدياً صارخاً على حرمة الآخر، وضرباً من ضرب التخمين المذموم والافتراء بلا برهان. إن الأصل الفكري والشرعي والأخلاقي يقوم على التعامل مع معطيات النص والخطاب المباشر، لا على افتراض سيناريوهات خفية وإسقاط دوافع مظلمة لا وجود لها إلا في مخيلة المتلقي.
ثانياً: سوء الظن كبديلٍ هشّ عن مفلس الحجّة: ـ تتحول "محكمة النوايا" في الغالب إلى ملاذٍ أخير لمن غابت حجته وضاق به نطاق البرهان والرأي السديد. ففي اللحظة التي يعجز فيها المحاور عن نقض الدليل بالدليل، يتجه تلقائياً إلى النيل من الشخص ومحاكمة طويّته؛ فيصمُ خصمه بعباراتٍ معلّبة من قبيل: "نيتك كذا"، أو "أنت تطبّق أجندةً معينة"، أو "هدفُك التضليل"! إن هذا الأسلوب ليس إلا محاولة يائسة لتسفيه الطرح وشخصنة الحوار، والتملص من الاستحقاق المعرفي والفطين الذي يفرضه النقاش الموضوعي.
ثالثاً: التهاوي الأخلاقي وآثار "الغمز واللمز": ـ إن استمرار الثقافة الحوارية القائمة على شقّ الصدور والتفتيش عن المآرب الخفية يؤدي بالضرورة إلى تلويث المناخ الفكري واعتلال السلوك الجمعي. فعندما يصبح الاصطياد في النوايا هو الأصل، تُنسخ قواعد الثقة، وتتوارى النزاهة الفكرية، ويلتئم الخطاب في بيئةٍ تسودها الريبة وسوء الظن. فالطعن في مقاصد الناس لا يضرّ صاحب الفكرة المطعون فيها بقدر ما يكشف للعيان عن الخلل الأخلاقي والضعف المعرفي لدى الطرف الطاعن.
رابعاً: أدب التغافل والاعتدال في الحكم: ـ إن البلاغة الحقيقية والنضج الفكري يتجليان في الأخذ بظاهر القول مع حسن الظن، وإعمال أدب التغافل عما قد يتراءى للمرء من ظنونٍ وتحليلات لا شواهد عليها. فالحكم العادل المتزن يبني جسور التواصل، ويتيح للمجتمع الفكري أن ينمو في بيئةٍ صحية تُحترم فيها العقول وتُصان فيها الكرامات، ولا مكان فيها للرجم بالغيب أو استعداء النوايا.
ختاما ,, إن العقل الرشيد والضمير الحي يمليان على الإنسان أن يقف عند حدود ما يُقال وما يُكتب، وأن يكل السرائر إلى عالم الخفيّات والظواهر. ولتكن الحجةُ الحصيفة هي الفيصل والجامع، ولتكن ألسنتنا عفّةً عن خوضٍ فيما لا تدركه أبصارنا. فالاشتغال بالظاهر الجميل وإصلاح القول يرفعان قدر المرء، بينما الاستغراق في التفتيش عن نوايا الناس ينتهي بصاحبه إلى العزلة والضعف والإفلاس المعرفي



