في زحمة الحياة وتدافع الساعات، يغفلُ الإنسانُ أحياناً عن نعمةٍ إلهيةٍ سابغةٍ تُدعى النسيان، تلك النعمة التي تمنح القلوبَ فرصةً لتُداوي جراحها، ولتطوي صفحاتِ الأمسِ بما فيها من عثراتٍ وزلات. إن نبش الحقائق القديمة وإعادة إخراجها إلى العلن تحت ذريعة الشجاعة أو كشف الواقع، ليس سوى وهمٍ كبير؛ فهو في حقيقته معوَلُ هدمٍ يضربُ استقرار القلوب، ويجرحُ مشاعر الأبرياء، ويزعزعُ أركان الطمأنينة التي يسعى المجتمع لحمايتها وترسيخها.
ولاستجلاء أبعاد هذا الموضوع , نستعرض فيما يلي أبرز الآثار المترتبة على نبش الماضي وتأثير ذلك على استقرار النفوس والمجتمع , والاسس الأخلاقية والشرعية الكفيلة بمعالجتها: ـ
أولاً: الجناية على النسيج الاجتماعي والنفوس الأبيّة
تتضاعفُ خطورةُ إعادة فتح الملفات المطوية عندما تتصل بأشخاصٍ بعينهم، إذ لا تكمن العلة في صحة تلك الحقائق أو بطلانها، بل في الأثر الكارثي الذي يتركه تحريكُ هذه الرواسب. إن إشعال جمر الماضي يحدثُ شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، ويصيب نفوس أقارب أولئك الأشخاص ومحبيهم بأذى بليغ؛ فهم الذين لا يحتملون رؤية ذويهم في موضع التشهير أو المساءلة أو التجريح والتسقيط. إن هذا المسلك يمثل انحرافاً صريحاً عن قيم الحكمة، واعتداءً على المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي تقضي بحفظ كرامات الناس وحماية حرماتهم.
ثانياً: الستر والتسامي.. دستور الشريعة الإسلامية
لقد أرست الشريعةُ الإسلامية دستوراً سامياً يُدار به وُدّ البشر وتُبنى به المجتمعات، وهو قائمٌ على التغافل، والستر، والترفع عن تتبع العثرات. يقول الله تعالى في محكم كتابه (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) إن النهي الإلهي هنا لا يقف عند حدود الحاضر، بل يمتد ليشمل حرمة التاريخ الشخصي للإنسان؛ لأن نبش السير المؤلمة أو الخطيئة التي طواها الزمن هو بمثابة فتح أَبوابٍ للفتنة، وإحياءٍ لأحقادٍ دفينة كان الأجدر بها أن تظل مطمورة تحت ركام العفو والصفح.
ثالثاً: مدرسة النبوة.. منهج حفظ الكرامة وإماتة الباطل
في مدرسة النبوة الطاهرة، نتعلم أن معيار القيمة الحقيقية للمرء يتجلى في صيانة أخيه حياً وميتاً، وفي نشر سكينة الأمان بين الناس بدل ترويعهم أو كشف أستارهم. يقول النبي الأكرم صلوات الله عليه (مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
فأين موقع هذا التوجيه النبوي العظيم ممن يتخذون من إفشاء السر، والتشهير، وتصفية الحسابات القديمة مسلكاً لهم؟ إن نشر ما يسيء للماضي لن يغير من الواقع شيئاً، بل يورث الضغائن، ويقطع الأرحام، ويفكك عُرى المودة والتآخي.
ومن هذا الهدي الصافي، نتعلم عن أئمة الهدى من آل بيت النبوة عليهم السلام أن الحكمة في التعامل مع أخطاء الماضي تتلخص في الإماتة لا الإحياء؛ فقد رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (أَمِيتُوا الْبَاطِلَ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ) فالسكوت عن زلات الماضي ليس علامة ضعف، بل هو قمة الاقتدار والترفع، والبلسم الوحيد الذي يحول دون تحول جروح الأمس إلى سمومٍ تلوث حاضر المجتمع ومستقبله.
ختاما ,, تظل الحكمة في الإدراك بأن تحريك الحجارة القديمة لا يقف ضرره عند الدائرة القريبة , بل يمتد ليصيب البناء الاجتماعي بأسره. فمسؤولية الافراد في حماية المجتمع تكمن في دفن ادران الماضي , وهي مسئولية جماعية لكي يتم التمكن من بناء أرضية مشتركة يسودها الاحترام وتورق فيها قيم الصفح والسلام



