انقضى عام كامل على فقدان علم شامخ من قامات مجتمعنا، حيث انطفأت شعلة حياته الدنيوية في الثلاثين من شهر ربيع الآخر لعام 1447هـ، مخلفا سيرة عطرة تستمر في إضاءة مسيرة البذل والإصلاح رغم غيابه الجسدي.
وقد شهدت مساجد البلدة كافة مجالس إحياء تعمها السكينة، تلهج بالدعاء لروح الفقيد السعيد سماحة الشيخ كاظم الحريب (رحمه الله) واستذكار مآثره. وفي هذه ليلة الثلاثين من ربيع الثاني ، توجت هذه المناسبة بجمع مهيب من السادة الفضلاء والمشايخ الكرام والوجهاء الذين تقاطروا وفاء وتقديرا، مشاركين في محفل حافل استعيدت فيه ذكريات عطائه، تأكيدا على بقاء أثره حيا في النفوس والوجدان.
ولكي ندرك حجم التأثير العميق الذي تركه الراحل الكبير، يجدر بنا تأمل الركائز الأساسية التي قامت عليها شخصيته ومنهجه في إدارة شؤون المجتمع وخدمة أهله.
- المنهجية المنضبطة والتدبير المستقبلي
أدار سماحة الشيخ كاظم الحريب (قدس سره) كافة مشاريعه برؤية دقيقة وتخطيط محكم، حيث كان يحرص على استشارة أهل الاختصاص قبل اتخاذ أي خطوة؛ محولا الأهداف المرسومة إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع العام، معتبرا التنظيم الدقيق والتفاني ركيزتي الاستقرار المجتمعي.
- رحابة الحضور والاحتواء الإنساني
اتسم الراحل بطابعه اللطيف وقلبه الكبير الذي يستوعب هموم الجميع؛ فقد كانت مجالسه الأسبوعية ساحة مفتوحة للقاء الناس جميعا، مستمعا لمشاكلهم بحكمة وصبر يمتص التوترات ويعزز الألفة والوئام بين أفراد المجتمع.
- الأمانة المالية والقدوة المجسدة
أظهر سماحة الشيخ (رحمه الله) يقظة شديدة وحذرا متناهيا في حماية أموال الوقف والمشاريع الخيرية، ممارسا ما يدعو إليه بنفسه أولا؛ ليؤكد أن الصدق والموعظة الصالحة تكتملان بالتطبيق العلمي والسلوك المستقيم أمام القريب والبعيد.
- العناية بإصلاح ذات البين ولم الشمل
تجلت في سيرة الشيخ الراحل أسمى معاني الإنسانية والمسؤولية الشرعية من خلال سعيه الحثيث في إصلاح ذات البين؛ فقد كان يخصص جل وقته وجهده لتقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين الفرقاء. ولم يكن يتردد في بذل المستحيل لإعادة الدفء إلى البيوت والصلح بين الزوجين، محملا بروح الأبوة والحكمة التي تطفئ نيران الخلافات وتلم شمل الأسر، حريصا على أن تظل اللحمة المجتمعية متماسكة وقوية.
- الريادة في التطوير والتأليف
يبرز تأسيسه لـ «لجنة الإبداع والتطوير» في المنيزلة كإحدى أهم بصماته الرائدة؛ حيث سعى من خلالها لترسيخ مبادئ العمل الجماعي، محفزا طاقات الشباب على الإبداع. وإلى جانب عطائه الاجتماعي، يضاف إلى سجل إنجازاته ومآثره الجميلة مؤلفات قيمة أثرى بها المكتبة العلمية، لتبقى شاهدة على فكره المستنير وعلمه الغزير.
ختاما ,, تبقى العظمة الحقيقية في ما يخلفه الإنسان من أثر حسن في حياة الآخرين بعد رحيله، وإن أصدق وفاء لذكرى سماحة الشيخ كاظم الحريب في سنويته الأولى يتمثل في مواصلة النهج الذي بدأه والحفاظ على كل مشروع خيري أو تطويري أرسى قواعده.
رحم الله فقيدنا الجليل الشيخ كاظم الحريب رحمة واسعة تليق بأثره الطيب، وجزاه عنا وعن البلدة خير ما يجزى الخيرون على أعمالهم الصالحة.




