قال الله تعالى في سورة الإسراء (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) وقال جلّ شأنه مبيناً الغاية السامية والسكن الروحي من هذه الرابطة المقدسة (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)
إن الشريعة الإسلامية السمحة طالما نظرت إلى الزواج باعتباره باباً للتحصين والبركة، ومحطة لبناء بيت طاهر يقام على اليُسر والتراحم؛ فقد جاء عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة) وورد عن أهل البيت عليهم السلام الحث المستمر على تجنب المباهاة والافتخار بالمظاهر الفانية التي تفسد حقيقة المودة. إلا أن الواقع الاجتماعي المعاصر أخذ يتسرب إليه أسلوب عيش استهلاكي تجرد من روح العقلانية، ليحول مقاصد الزواج الشريفة إلى ميدانٍ للمفاخرة الجوفاء والسباق على المظاهر.
واللفتة المحزنة في هذه الظاهرة,, أن الرجال الذين أُنيطت بهم القوامة والحكمة الإدارية والتوازن المالي باتوا في كثير من الأحيان هم المتسبب الأول والمسهم المباشر في السكوت عن هذه المدخلات الغريبة أو تغذيتها؛ إما مجاراةً للعادة، أو هروباً من كلام الناس، ليقع العريس الشاب ضحيةً لقراراتٍ لم تُدرس نواتجها.
أولاً: كلفة الشكليات (سلسلة التزامات تلتهم الميزانيات) لم تعد أعباء الزواج تتوقف عند المهر والاحتفال الأساسي، بل فُرضت على العريس سلال متلاحقة من المناسبات المستحدثة التي أُقحمت على نسيجنا الاجتماعي، ومنها: ـ
- حفلة توديع العزوبية: ممارسات دخيلة تتطلب ميزانيات مقتطعة لقاعات وحفلات جانبية لا طائل منها.
- ليلة الحناء بمستحدثاتها: تحولت من جلسة عائلية بسيطة إلى مهرجانٍ استهلاكي يضاهي العرس الأصلي في تجهيزاته وديكوراته.
- حفل ليلة الملكة وليلة الشبكة: استنزاف مبكر يتطلب استئجار قاعات وتوزيعات باهظة وهدايا استعراضية قبل بلوغ ليلة الزفاف.
- حفلة حبة الراس: بروتوكولات مالية وضغوط إضافية تُلقى على كاهل الزوج تحت مسميات "الإكرام الاجتماعي"
- ولائم ليلة ثالث وليلة سابع: تكاليف إطعام وتجمعات مستمرة تستهلك ما تبقى من رمق مالي بعد انقضاء الحفل الكبير.
ثانياً: الحصاد المر.. كيف تُطارد الديون العريس في مستهل حياته؟
إن السعادة التي تُشترى بالديون هي سعادة مؤقتة تنتهي مع انطفاء أضواء القاعة، لتستيقظ الأسرة الجديدة على واقع اقتصادي مؤلم يفرض تبعاته السلبية ومنها: ـ
- الوقوع في مصيدة القروض البنكية والكفالات: يجد الشاب نفسه مكبلاً بأقساط شهرية تقتطع نسبة كبيرة من دخله لعدة سنوات، مما يحرم البيت الجديد من مقومات الاستقرار والرفاهية الأساسية.
- التوتر العاطفي والنزاعات الزوجية المبكرة: حين تدخل الديون من الباب، يهرب الاستقرار من الشباك؛ فالضغوط المالية المتواصلة تُنشئ بيئة شحن نفسي وتوتر دائم بين الزوجين في أولى أيام زواجهما.
- تأخر سن الزواج وعزوف الشباب: عندما يرى الشباب المقبلون على الزواج حجم التكاليف والالتزامات الهائلة التي تكبل أقرانهم، ينشأ لديهم خوف قهري يدفعهم لتأجيل هذه الخطوة المباركة لسنين طويلة.
- حرمان الأسرة من الادخار والتطور الاستثماري: بدل أن تُوجه الأموال لامتلاك منزل أو استثمارها في مستقبل الأبناء، تذهب كشوفات الحسابات المقتطعة لسداد مصاريف ساعات معدودة ذهبت أدراج الرياح.
وقد كان للمصلحين والعلماء في مجتمعنا ومنهم الشيخ كاظم الحريب رحمه الله وقفات إيمانية وتوعوية مشهود لها، داعيةً إلى التيسير على الشباب ومحذرةً من هذه السلوكيات الاستهلاكية التي تنهك كاهل العائلات وتعرقل بناء الأسرة الصالحة.
ختاما ,, إن مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة تستدعي صحوة مجتمعية شجاعة يبدأها أولياء الأمور والرجال بالدرجة الأولى، عبر إعادة ترتيب الأولويات وفرض منطق الحكمة والعقل. إن إرجاع الزواج إلى جوهره الايماني والاجتماعي المبني على البساطة والسكينة هو السبيل الوحيد لحماية شبابنا من أسر الديون، ولضمان بناء أسر متماسكة ومستقرة تُظللها البركة والمودة لا الهموم والالتزامات المادية.



