تتجلى في اللفظ القرآني القاعدة البلاغية الشهيرة"زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى"، كما أن حذف الحرف أو تقليله يؤدي دلالة لطيفة تتناسب مع خفة الفعل أو سرعته أو تخفيف وطأته؛ فكل حرف يُزاد أو يُقتطع في نظم القرآن الكريم إنما يأتي لميزان بياني دقيق يخدم السياق التربوي والنفسي للآية.
ومن دلالات الزيادة والحذف في المبنى والمعنى نذكر الأمثلة التالية: ـ
1/ التنزل بين: ـ (تَتَنَزَّلُ" و"تَنَزَّلُ) تكرار الفعل مقابل السرعة والخفة
* تَتَنَزَّلُ (بالتضعيف وإثبات التاءين): تُستخدم عند الحديث عن أمر يتكرر ويتنزل مهلاً وتكراراً وشيئاً فشيئاً، كتنزل الملائكة بالرحمة والمؤانسة للمؤمنين، كما في قوله تعالى (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا)
* تَنَزَّلُ (بحذف إحدى التاءين): تُستعمل لإفادة السرعة أو الخفة أو التخفيف، أو عند الحديث عن تنزّل أصحاب الشرور كالشيَاطين، حيث يتناسب تخفيف اللفظ مع سرعة انقضاضهم وخفتهم، كما ورد في كتاب الله (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ)
2/ المشقة بين (اسْطَاعُوا) و(اسْتَطَاعُوا) - صعوبة الحدث مقابل سهولته
جاء في الآية الكريمة (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)
* اسْتَطَاعُوا (بزيادة التاء): وردت في سياق الثقب والخرق لردم ذي القرنين (خرق السد) ، وهو عمل أشد مشقة وأعظم صعوبة، فجاء اللفظ أطول وأثقل بزيادة التاء ليلائم صعوبة الفعل.
* اسْطَاعُوا (بحذف التاء): وردت في سياق تسلق السد وظهوره، وهو أسهل وأخف عملاً من ثقبه، فحذفت التاء ليتناسب تخفيف اللفظ مع سهولة الفعل.
3 / الصبر والمجاهدة بين "اصْبِرْ" و"اصْطَبِرْ"
* اصْطَبِرْ (بزيادة حرف الطاء / الزيادة في البناء): جاءت في قوله تعالى(فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) حيث إن الزيادة في مبنى الكلمة تُفيد الزيادة في معناها، لتدل على التكلف وبذل أقصى الجهد والمجاهدة المستمرة، بخلاف اصْبِرْ التي تدل على أصل الصبر ومجرده.
4/ النزول التدريجي بين "أَنْزَلَ" و"نَزَّلَ"
* أَنْزَلَ (بالتخفيف/الهمزة): تشير غالباً إلى الإنزال دفعة واحدة (الجملة الواحدة) ، مثل إنزال التوراة والإنجيل، أو إنزال القرآن في اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما في قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
* نَزَّلَ (بالتضعيف/التشديد): تشير إلى التنزّل التدريجي والمنجم والمتكرر عبر الوقائع والأحداث، مثل تنزيل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وآله مفرقاً على مدى سنوات، كما في قوله تعالى (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) ، وقوله تعالى رداً على الكفار (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)
ختاما.. إن بلاغة الحذف والزيادة في الحروف والكلمات القرآنية نوع رائع في الصياغة، و هي هندسة لفظية محكمة تُطابق بين المبنى والمعنى. إن التأمل في هذه اللفتات البيانية يفتح أفقاً جديداً لمُتدبر القرآن الكريم، ويدرك من خلالها أن كل حرف في كتاب الله وُضع بوزن ومقدار لا يغني عنه غيره



