في تاريخ العلم، لا تُقاس قيمة الكتب بعدد صفحاتها، بل بقدرتها على البقاء، وعلى صناعة المعنى، وعلى تحويل المعرفة إلى هوية. فثمّة مؤلفات لم تكن محطات عابرة في مسار الدرس الفقهي والفكري، بل كانت منعطفات تأسيسية أعادت رسم المنهج، وحدّدت اتجاهات البحث، وربطت الأسماء بالأثر لا بالزمن. تلك هي الكتب الخالدة؛ كتبٌ تجاوزت مؤلفيها، وصنعت مدارس، بل غيّرت أسماء أُسَر، حتى صار الانتساب إليها شرفًا علميًا، ودليلًا على عمق الانتماء للمنهج لا مجرد صلة نسب.
ليست الكتب في تاريخ العلم سواء؛ فبعضها يُقرأ ثم يُنسى، وبعضها يُحفظ ثم يُستبدل، أمّا القليل النادر منها فقد تجاوز حدود التأليف، ليغدو مرجعًا مؤسِّسًا، وهويةً علمية، واسمًا خالدًا يتوارثه اللاحقون.
إنها الكتب التي لم تغيّر مسار الفقه والفكر فحسب، بل غيّرت أسماء أُسَر، وصنعت ألقابًا علمية، وربطت النَّسَب بالمعرفة لا بالدم وحده.
ومن أبرز هذه الكتب الخالدة:
«جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» للشيخ محمد حسن النجفي، الذي لم يكن شرحه مجرّد بسطٍ لعبارات «الشرائع»، بل بناءً فقهيًا متكاملًا، جمع الأقوال، وحرّر محلّ النزاع، وأرسى منهجًا استدلاليًا صار مرجعًا للفقهاء من بعده. حتى أصبح يقال: قال صاحب الجواهر، لا بوصفه ناقلًا، بل باعتباره ميزانًا للترجيح، ومعيارًا للفقه. ومنذ ذلك الحين لم يعد الاسم «النجفي» وحده دالًا عليه، بل غدا «الجواهري» عنوان مدرسة، لا مجرد لقب أُسري.
وكذلك «كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء»
للشيخ جعفر كاشف الغطاء، وهو كتاب لم يكتفِ بالكشف عن الأحكام، بل كشف عن حضور الفقيه في ميدان التشريع والحياة العامة، وعن قدرة الاجتهاد على مواجهة الواقع بثقة وعمق. فصار «كشف الغطاء» اسمًا يتقدّم على الاسم الشخصي، وينتقل من عنوان كتاب إلى هوية علمية راسخة، تُعرف بها الأسرة قبل أن يُعرف بها المؤلِّف.
هذه الكتب وأمثالها لم تخلُد لأنها أُحكمت عبارةً فحسب، بل لأنها أسّست منهجًا، وربّت أجيالًا، وصنعت مرجعية، وربطت العلم بالمسؤولية التاريخية.
فالكتاب الخالد هو الذي يُورَّث كما تُورَّث القيم، ويُستحضَر عند الاختلاف، ويُشار إليه بوصفه «صاحب القول»، لا مجرّد صفحة في مكتبة.. وهكذا، حين يبلغ الكتاب هذا المقام، لا يعود المؤلِّف هو الذي يُعرَف به، بل يصير الكتاب هو الاسم، وهو النَّسَب، وهو الأثر الباقي.
إن خلود الكتب ليس حدثًا عرضيًا، بل ثمرة إخلاصٍ في التأليف، وصدقٍ في المنهج، وشجاعةٍ في الاجتهاد. فالكتاب الذي يُؤسِّس علمًا، ويُهذّب منهجًا، ويُنتج أثرًا ممتدًا، لا يبقى حبيس عصره، بل يتحوّل إلى مرجعية حيّة تُستحضَر عند الاختلاف، وتُورَّث مع القيم، وتُختصر بها السِّيَر. وهكذا، حين يبلغ الكتاب هذا المقام، يصير الاسم علمًا، ويغدو العلم نسبًا، ويبقى الأثر شاهدًا على أن الخلود إنما هو للمعرفة التي خدمت الحق وأحسنت صناعة الإنسان.



