ورد عن أمير المؤمنين (ع) : مادِحك بما ليس فيك مُستهزِئ بك )( غرر الحكم ج ١ ص ٤٤٢ ) .
يبرز لنا أمير المؤمنين (ع) معيارا أخلاقيا مهما و دقيقا يبين من خلاله معنى و حقيقة المدح ، و ذلك من خلال الإشارة إلى خطورة الكلمة و تحمل المسئولية عن كل ما يتفوّه به الإنسان ، حيث تكمن الخطورة في تجاوز خطوط الإنصاف و الصدق و الاتجاه نحو تزييف الحقائق و نسبة الفضيلة أو إحدى خصالها لمن لا يتّصف بها ، و هنا يختل معنى مفهوم المدح و يُلصق به ما يصفه الإمام (ع) بالاستهزاء و هو المدح الكاذب ، فالمدح في ظاهره إكرام الموصوف و إظهار السمات الإيجابية و الجميلة عنده ، لكنه مع افتقاره للحقيقة و بيع السراب و الغَرْف من بحر الطيب و الجود لمن ليس أهلا له فإنه نوع من الاستهزاء المستتر ، حيث الظاهر لهذا الثناء و المدح الجميل هو الاستحسان و لكنه مغطى بإهانة مموّهة بثوب الثناء .
إن مسئولية الكلمة لا تنفصل عن إتيان الأفعال و التصرفات العملية فكلاهما يندرج تحت إطار تحمل مسئولية ما يصدر عنا ، فالألفاظ لها وجود و مساحة في تفكير الآخرين بما يظهر لها من مقاصد و آثار و نتائج في الاتجاه الإيجابي أو السلبي ، و المدح يأتي ثماره و نتائجه الطيبة في بث روح التشجيع و الدفع للأمام لمن أتى بخطوة أو فكرة أو سلوك حسن ، و لكن المدح في غير محله و تلميع صورة البعض قد يكون أشد قبحا من الذم الصريح ؛ لأنه يرسم في مخيلة الآخر صورة غير واقعية تسبب خداعا و تضليلا ، كما أنه يضع العلاقات الاجتماعية في مهبّ الريح بعد أن تضربها عاصفة التمويه و الخداع و تضعضع الثقة بين الأفراد ، فكيف يمكن الارتكان و الجزم بمقولة معينة حول أحد الأشخاص في وسط تحيط به المجاملات المقيتة و التلون الاجتماعي و الشهادات الزائفة بحق الغير ؟!
لماذا يُعدّ المدح الزائف و الثناء الجميل في غير محلّه استهزاء و سخرية بالطرف الممدوح ؟
المدح الزائف ينطوي على مفارقة خطيرة في العلاقات الاجتماعية و القيم الأخلاقية ، حيث يمنح الممدوح صورة غير واقعية عن نفسه و يبرز إطارا لصورة لا تخصّه ، و هو نوع من السخرية الخفية ، و المطلية بلمعان كلام معسول و المادح يتعامل مع الممدوح و كأنه لا يدرك الحقيقة ، فهذه استهانة بعقله و استخفاف بشخصيته بنسبة صفات لا وجود لها في الإطار التعريفي به و سيرته الذاتية ، و لا يطير فرحا بالمدح الزائف له إلا شخص معتوه و يعاني من عقدة النقص أو من يستهويه الثناء له و التصفيق الحار له في محيطه الاجتماعي ، و كأنه يحسب بأن الصبغ بالألوان - مهما بلغت درجة جماله الباهر - قد يداري ما خلفه من جدار متهرٍّ يبصره الناظر لأول وهلة ، فهذا النوع من المدح يساهم في صناعة الوهم داخل نفس الإنسان، فيدفعه إلى الغرور و الركون إلى صورة متخيّلة عن ذاته ، و بدلا من أن يسعى إلى تصحيح مساره و أخطائه و أوجه تقصيره و يسعى إلى الكمال الحقيقي ، يدفن كل تلك المساويء و النقائص في رمال الغفلة و النسيان و ينتشي زهوا بسراب القوة و المهارة و الاقتدار ، فيتحوّل المدح من وسيلة بناء إلى أداة هدم تسقطه في رضا النفس السلبي ، و من دافع للإصلاح و المراجعة الذاتية إلى سبب للانحراف و السقوط في الهاوية .



