عظم الله أجورنا وأجوركم بذكرى دخول شهر محرم الحرام، هذا الشهر الذي يحمل في طياته معاني عظيمة من الحزن والامتنان لتلك التضحيات الجسيمة التي قدمها سبط رسول الله الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه الأبرار في معركة كربلاء الخالدة.
كربلاء ليست محض معركة عادية، بل هي ملحمة أخلاقية كبرى سطرت بمداد من دم وعز، حيث وقف الإمام الحسين عليه السلام بالقليل في وجه جحافل الباطل، منافحاً عن قيم التوحيد والعدالة. لقد كان نداءه خالداً عندما قال "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة"، ليعلم الأحرار أن الموقف الحق هو الثبات بوجه الطغاة ولو كلف ذلك التضحية بالنفس.
هذا النداء لا يزال يتردد في ضمائر البشرية التواقة للحرية، مؤكداً أن الباطل زائل وأن الحق هو المنتصر في النهاية.
في شهر محرم هناك الكثير من الأمور التي يجب ان نحييها في نفوسنا انطلاقا من هذا الشهر وعلى مدار العام ومنها: ـ
- استلهام القيم الإنسانية النبيلة. ففي كربلاء، لم تكن المعركة مجرد صراع عسكري، بل كانت تجسيداً حياً للمبادئ الأخلاقية والإنسانية. الإمام الحسين، عليه السلام، ثأر من أجل الإصلاح ورفض الباطل، مما يعلمنا أن الوقوف في وجه الظالمين هو واجب أخلاقي وإنساني.
- الدروس في المبادئ والعقيدة، نجد أن واقعة الطف تقدم لنا دروساً في الصبر والإيثار والتوكل على الله والثبات على المبادئ. موقف الإمام الحسين وأصحابه يعلمنا أن الموت في سبيل الحق حياة أبدية، وأن العزة والكرامة لا تقدران بثمن. فالتضحية التي قدمها الإمام الحسين لم تكن شخصية، بل كانت نابعة من حرصه على بقاء الدين واستمراره، ليعلمنا أن الدفاع عن الحق يتطلب بذل الغالي والنفيس.
- الصدق والشجاعة. وهما من أعظم القيم التي جسدها الامام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه في كربلاء. فلقد وقفوا بكل صدق وشجاعة في وجه الظلم والطغيان رافضين السكوت عن الباطل مهما كلفهم ذلك من تضحيات. هذا الدرس يلهمنا ان نكون صادقين مع أنفسنا ومع الاخرين وان نتحلى بالشجاعة لنصرة الحق والدفاع عن المظلومين وإن كان ذلك صعبا.
- ختاماً، شهر محرم ليس مجرد تاريخ عابر في التقويم، بل هو مدرسة روحية متجددة تعلمنا دروساً في التضحية والإباء. إن إحياء هذه الذكرى يدعونا جميعاً إلى التمسك بالقيم الأخلاقية العليا والوقوف مع الحق والعدل، مستنيرين بنور تلك التضحيات العظيمة التي أضاءت طريق الإنسانية نحو الحرية والكرامة، كما ان المواساة واحترام هذا الشهر تعبير عن التعاطف مع أهل البيت في مصابهم الجلل. فإظهار الحزن والحداد في هذه الفترة يعكس التضامن الروحي معهم، ويدعونا للتأمل في عمق التضحية التي شهدتها كربلاء.
السلام على الحسين وعلى أهل بيته وأصحابه الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل رفعة الدين وكرامة الإنسان.



