إحياء مجالس أهل البيت (عليهم السلام) من الشعائر العظيمة التي تحمل في مضمونها رسالة إيمانية وتربوية وإنسانية، فهي مجالس تُحيي القلوب، وتذكّر بسيرة النبي وأهل بيته، وتربّي الإنسان على التقوى والفضيلة والمحبة وخدمة الآخرين.
لكن عظمة المجلس الحسيني لا تُقاس بكثرة الحضور، ولا بجمال المظهر، ولا بفخامة المكان، وإنما تُقاس بما يتركه في النفوس من أثر، وبمدى اقترابه من أخلاق أهل البيت (عليهم السلام).
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالتقوى هي معيار الكرامة، والأخلاق هي عنوان المؤمن، والمحبة والمودة هما من أبرز ما علّمنا إياه أهل البيت (عليهم السلام).
حين تتحول المحبة إلى تمييز
من المؤلم أن يشعر بعض المؤمنين بأنهم غير مرغوب في حضور مجلسٍ من مجالس أهل البيت (عليهم السلام)، ليس من خلال الرفض الصريح، وإنما عبر بعض التصرفات والإشارات والأساليب التي توصل رسالة غير معلنة مفادها: «أنت لست مرغوباً هنا».
وقد تكون الكلمة قليلة، أو الاستقبال فاتراً، أو التعامل مختلفاً، أو يتم الاحتفاء ببعض الأشخاص وإهمال آخرين، حتى يشعر الإنسان بالحرج، ثم يبدأ بالابتعاد عن المجلس شيئاً فشيئاً.
وهنا يجب أن نتوقف بصدق مع أنفسنا:
هل هذه هي الروح التي قامت من أجلها مجالس أهل البيت (عليهم السلام)؟
إن كان المجلس يحمل اسم أهل البيت (عليهم السلام)، فمن الأولى أن يحمل أخلاقهم أيضاً.
فلا ينبغي أن تتحول المجالس إلى مساحات للمحاباة، أو تصنيف الناس، أو التفريق بينهم، أو جعل القرب من أصحاب المجلس معياراً للترحيب والقبول.
الحسين (ع) لم يكن مجلسه لفئة دون أخرى
الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج من أجل فئة محددة، ولم تكن رسالته رسالة إقصاء أو تمييز، بل كانت رسالة إصلاح وهداية وكرامة.
قال الإمام الحسين (عليه السلام):
«إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».
والإصلاح يبدأ من الإنسان نفسه، ومن طريقة تعامله مع الآخرين.
فإذا كان المجلس الحسيني يدعو إلى الحسين (عليه السلام)، فمن المؤلم أن يخرج منه إنسان يشعر بأنه مرفوض أو مهمّش أو غير مرغوب فيه.
إن أجمل ما يمكن أن يقدمه أصحاب المجالس هو أن يكون باب المجلس مفتوحاً بقلوبهم قبل أبواب المكان، وأن يشعر الداخل إليه بأنه أخٌ في الإيمان، له احترامه وكرامته، بعيداً عن مكانته الاجتماعية أو قربه من أصحاب المجلس.
لا تجعلوا الاختلاف سبباً للجفاء
قد نختلف في الرأي، أو في التوجه، أو في بعض القضايا الدينية والاجتماعية، وهذا أمر طبيعي في حياة الناس، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة أو إقصاء أو جفاء.
مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مدرسة الحوار والأخلاق وحفظ كرامة الإنسان.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً».
وهذه الكلمة العظيمة تجعلنا أمام مسؤولية كبيرة؛ لأن الإنسان حين ينتسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) لا يمثل نفسه فقط، بل ينبغي أن يعكس شيئاً من أخلاقهم في تعامله مع الناس.
فما أجمل أن يكون صاحب المجلس أول الناس ترحيباً، وألينهم جانباً، وأوسعهم صدراً، وأكثرهم حرصاً على جمع القلوب لا تفريقها.
رسالة إلى القائمين على المجالس
أيها القائمون على مجالس أهل البيت (عليهم السلام)...
إنكم تحملون أمانة عظيمة، فلا تجعلوا من المجلس مكاناً يشعر فيه البعض بالتمييز، بل اجعلوه بيتاً روحياً مفتوحاً لكل محب ومؤمن.
لا تنتظروا أن يكون الإنسان قريباً منكم حتى تحسنوا استقباله، ولا تجعلوا المكانة الاجتماعية أو العلاقات الشخصية معياراً للتقدير.
استقبلوا الجميع بابتسامة، وكلمة طيبة، ومودة صادقة.
فرب إنسان بسيط يدخل مجلسكم، ويكون عند الله أعظم قدراً من شخصٍ يحظى بكل مظاهر الاحتفاء.
والإنسان قد ينسى المحاضرة، وقد ينسى تفاصيل المجلس، لكنه لا ينسى بسهولة كيف عومل، وكيف كان شعوره وهو يدخل ويخرج.
المجلس الحسيني مدرسة للقلوب
إن نجاح المجلس الحسيني الحقيقي ليس في عدد الحاضرين فقط، وإنما في عدد القلوب التي خرجت منه أكثر صفاءً، وأكثر تقوى، وأكثر محبة للناس.
فإذا خرج الشاب من المجلس وهو أكثر احتراماً لأبيه وأمه، وأكثر رحمة بالفقراء، وأكثر تسامحاً مع الآخرين، وأكثر التزاماً بالصلاة والأخلاق، فقد نجح المجلس في أداء رسالته.
أما إذا كان المجلس مزدحماً بالناس، بينما تسود بين بعض القائمين عليه مشاعر التمييز والجفاء، فهنا ينبغي أن نراجع أنفسنا ونستعيد جوهر الرسالة الحسينية.
قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
لم يقل: قولوا لبعض الناس حسناً، وإنما قال: ﴿لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
وهذه الآية وحدها كافية لتضع أمامنا ميزاناً أخلاقياً واضحاً في تعاملنا مع الآخرين.
كلمة أخيرة
مجالس أهل البيت (عليهم السلام) ليست جدراناً ومقاعد ومنبراً وصوتاً حزيناً فحسب، بل هي رسالة وأخلاق ومودة ورحمة.
فلنحافظ على قدسية هذه المجالس، ولنجعلها أماكن تجمع القلوب ولا تفرقها، وتفتح الأبواب ولا تغلقها، وتحتضن المؤمنين ولا تنفّرهم.
ولنتذكر دائماً أن من يدخل مجلس أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) ينبغي أن يشعر أنه دخل مكاناً تحضر فيه الرحمة، وتُصان فيه الكرامة، وتُفتح فيه القلوب قبل الأبواب.
فالحسين (عليه السلام) يجمعنا، فلا تجعلوا اختلافاتنا سبباً في تفرقتنا.
وما أجمل أن تكون مجالسنا الحسينية صورةً صادقةً من أخلاق أهل البيت (عليهم السلام): تقوى، وصفاء، ومودة، وتواضع، وحسن استقبال، وقلوب تتسع للجميع.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



