التنظيم الدقيق والتخطيط الواعي
سواء أكنت ممن أتاح له الحظ أن يعمل إلى جانبه، أم كنت ممن يتأمل في مسيرته وسلوكه، فستدرك فوراً أن سماحته كان رمزاً للتنظيم. لم يكن هذا التنظيم وليد اللحظة أو محصوراً في أوقات الصلاة والتزامه الدقيق بالجماعة، بل كان منهجاً ثابتاً حتى في إدارة المشاريع الكبرى قبل الشروع فيها.
لقد كان يرسم الأهداف بدقة، ويحدد الغايات، ويعرض مشاريعه على من حوله مستشيراً آراءهم، ليشرع بعدها في خطوات التخطيط المنهجي المنضبط. سواء كان ذلك في بناء المساجد، أو تأسيس اللجان الأهلية، أو تنظيم مشاريع الزواج الجماعي. وكيف لا يكون كذلك، وهو الذي طالما ردد في خطب الجمعة وصايا مولى المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) متمثلة في قوله: «أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم». لقد آمن حقاً بأن التقوى والتنظيم هما الركيزتان الأساسيتان لسلامة المجتمع واستقراره.
ثانياً: سعة الصدر ورحابة الحلم
«آلة الرئاسة سعة الصدر».. هكذا علمنا الإمام علي (عليه السلام)، ولقد جسد سماحة الشيخ هذا المعنى بأجمل صوره؛ فقد ترأس قلوب الناس قبل أن يتصدر مجالسهم بحلمه الواسع. لا زلت أتذكر ليالي الجمعة حين كان يستقبل عامة الناس في منزل أخيه (أبو حسن)، أو في منزله ، أو في "عصرية الجمعة" بمزرعته.
في تلك المجالس، كانت تلتئم مختلف فئات المجتمع، فيقصدونه جميعاً ليجدوا عنده تلك الأذن الصاغية والقلب الكبير. وسعة الصدر لم تكن مجرد ابتسامة، بل كانت تعني الصبر الجميل تجاه المشاكل والتحديات، والقدرة العالية على ضبط النفس في لحظات الانفعال، والحلم الذي يمتص الأزمات ويستوعب هموم الآخرين ومطالبهم.
ثالثاً: الحكمة في الاختيار الرشيد
تميز سماحته (قدس) بعلمٍ واسع وحكمة متجذرة تجاوزت حدود الأحكام الشرعية والفقهية إلى آفاق العمل الاجتماعي والإنساني. ورغم هذا الاتساع المعرفي، لم يستغنِ قط عن الاستشارة؛ فكان يشرك أهل الاختصاص وأصحاب الخبرة في كل خطوة، ويحسن اختيار الكفاءات القادرة ليس فقط على إنجاز العمل لمرة واحدة، وهنا نتذكر بتقدير جهوده الكبيرة في مشروع تطوير المقبرة، ومشاريع الزواج الجماعي، والأنشطة الأهلية التي ما زالت قائمة تنبض بالحياة حتى يومنا هذا.
نسأل الله أن يوفقنا للسير على نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأن يجعل ما تركه الشيخ الراحل من أثر طيب نبراسًا يضيء دروب العطاء وخدمة المجتمع.



