في بعض الكلمات، لا يكون المقصود منها الإخبار، بل كشف الحقيقة، ولا يكون الهدف تسجيل واقعة،
بل إزاحة حجابٍ عن معنى؛ وهناك عبارات لا تُقال لتُفهم بالعقل وحده، بل لتُستحضر بالقلب، لأنها لا تنتمي إلى منطق العدد والزمان، بل إلى منطق الوجود والفيض.
ومن هذا القبيل تأتي كلمات الأئمّة (ع)، حيث لا تُقاس الألفاظ بحروفها، ولا الدلالات بسطحها، بل بما تحمله من نورٍ يُعاد به ترتيب الرؤية، وتُضبط به موازين الفهم.
وحين نتوقّف عند وصفٍ صادرٍ عن إمامٍ لمعصومٍ، فإننا لا نقرأ تاريخًا، بل ندخل أفقًا عقديًّا وعرفانيًّا، يُراد منه تثبيت اليقين، وكشف سنن الهداية في الخلق.
ومن هنا، حين يقول الإمام الرضا (عليه السلام)، مُبيِّنًا مقام ابنه الإمام الجواد (عليه السلام)، وهو يُجري لسان الكشف عن شأن ولده، كما ورد في الكافي الشريف:
" هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ . "
فإنّ العبارة لا تُقاس بموازين الحدث والعدد، بل تُفهم في أفق الوجود والمعنى؛ لأن البركة في الرؤية العرفانية ليست كثرةً في العطاء الظاهر، بل فيضًا في الوجود، واتصالًا بالمصدر.
البركة بوصفها فيضًا وجوديًا:
في الفلسفة العرفانية، البركة ليست شيئًا يُضاف، بل حقيقة تُفيض. وكلّما كان الموجود أقرب إلى الحقّ، كان فيضه أوسع وأعمق. ومن هنا فإنّ الإمام الجواد (ع) لم يكن مباركًا لأنه وُلد في ظرفٍ معيّن، بل لأن وجوده نفسه تجلٍّ للهداية.
فهو ليس مولودًا في الزمن فحسب، بل مولود في ساحة الفيض الإلهي، وجوده استمرار للنور، لا مجرّد تعاقب في السلالة.
صِغر السنّ وسقوط معيار الزمان:
العقل العادي يربط الكمال بالزمن، والعرفان يربطه بالقرب، فإذا ظهر الإمام الجواد (ع) في سنٍّ صغيرة وهو حامل للحجّة، فإنّ هذا ليس استثناءً، بل إزاحة لوهمٍ راسخ: وهم أنّ الزمان هو صانع الكمال.
في الفلسفة الصدرائية، الكمال تابع لشدّة الوجود لا لطول الامتداد الزمني، ومن كان وجوده أشدّ، كان علمه أسبق، ونوره أظهر، ولو في عمرٍ قصير.
الإمامة بوصفها مقامًا لا وظيفة:
الإمامة في الرؤية العرفانية ليست منصبًا اجتماعيًا، بل مرتبة وجودية. هي حضور الحقّ في الإنسان الكامل، وتجليه في صورة عبدٍ مصطفى.
ولادة الإمام الجواد (ع) كانت بركة لأنّها:
• كشفت أن الإمامة نورٌ يُورَث لا منصب يُكتسَب
• وأنّها مقام يُعطى لا يُنتظر
• وأنّ الحجّة لا تتوقّف على اكتمال الصورة الظاهرة
البركة كرفع للحيرة الوجودية:
قبل مولده، لم تكن الحيرة حيرة فقهية فقط، بل حيرة وجودية:
هل ينقطع النور؟
هل يتأخر الفيض؟
هل يخلو الزمان من الحجة؟
ولم تقتصر بركة مولد الإمام الجواد (عليه السلام) على ذاته الشريفة فحسب، بل امتدّ فيضها إلى تثبيت إمامة أبيه الإمام الرضا (عليه السلام)، فقد جاءت ولادته في ظرفٍ كانت فيه بعض النفوس تتساءل، لا عن شخص الإمام الرضا (ع)، بل عن امتداد الإمامة بعده، فجاء المولود جوابًا عمليًا، وبيانًا وجوديًا، بأن الإمام الحقّ لا يُترك بلا عقبٍ يواصل خطّ الهداية.
وبهذا المعنى، لم تكن ولادته مجرد استمرار نسبي، بل شهادة حيّة على صدق إمامة أبيه؛ إذ إنّ الإمامة نورٌ متصل، لا ينقطع، ولا يُسلَّم إلا بإذنٍ إلهي، وظهور الإمام الجواد (ع) كان كشفًا عن أن هذا النور قد استقرّ حيث أراد الله له أن يستقرّ.
وهكذا، أثبتت ولادته أن الإمامة ليست مقامًا فرديًا معزولًا، بل سلسلة نورانية متصلة، كل حلقة فيها تشهد للأخرى، ويُعرَف اللاحق بصدقه، كما يُعرَف السابق بحجّيته.
فكان مولده بركةً مضاعفة: بركةً في ذاته بوصفه حجّةً قائمة، وبركةً متجلّية في إمامة أبيه، إذ تحوّل السؤال النظري عن الإمامة إلى يقينٍ مشهود، وانتقل الإيمان من دائرة الترقّب إلى مقام الاطمئنان.
وهذا هو معنى البركة: طمأنينة الوجود في مواجهة القلق الكوني.
من الفعل إلى الفاعل:
البركة الأعظم في مولده ليست في أفعاله فقط، بل في تحويل النظر من الأثر إلى المؤثّر. فمن خلاله تعلّمت الأمة أن ترى:
• العلم لا من حيث تراكمه، بل من حيث مصدره
• القيادة لا من حيث مظهرها، بل من حيث حقيقتها
• الإمام لا بوصفه فردًا، بل بوصفه واسطة فيض
البركة المستمرّة:
في العرفان، البركة لا تُقاس بلحظتها، بل بديمومتها.
وبركة الإمام الجواد (ع) استمرّت:
• في تثبيت مفهوم الإمامة الصغرى سنًّا والعظمى
مقامًا.
• في تثبيت إمامة أبيه.
• في تهيئة الوعي لمرحلة الغيبة.
• في حفظ خط الهداية من الانقطاع.
خاتمة عرفانية:
لم يكن الإمام الجواد (ع) أعظم مولود بركة لأنه حلّ مشكلةً آنية، بل لأنه كشف قانونًا إلهيًا دائمًا. وهي أن الحجّة لا تُقاس بالسنّ، ولا تُحدّ بالزمن، ولا تُحجَب بالظرف، بل تُعرف بقدر ما تحمل من نور الحقّ؛ فكان مولده فيضًا لا حدثًا، ووجوده بركةً لا تُحصى.
«بركة الوجود لا بركة الزمن»
مولد الإمام الجواد (ع) يُقرأ بوصفه حدثًا وجوديًا رساليًا، لا مجرد ولادة زمنية.
أي أن عظمة مولد الإمام الجواد (عليه السلام) وبركته لا تُقاس بطول الزمن، ولا بكثرة السنين، ولا بامتداد العمر، بل تُقاس بحقيقة الوجود نفسه الذي يحمله الإمام، وبالمقام الإلهي الذي يتجلّى فيه.



