من المشكلات الفكرية التي تواجهنا هي الخلط و الاشتباه بين معاني مفاهيم متعددة و قد تكون متقاربة ، و لكن المؤديات تختلف تماما كمسارين لا يلتقيان إلا في ذهن من لا يعي و لا يدرك مضامينها و مقاصدها ، و من تلك المفاهيم التي يقع الاشتباه في توصيفها و الإشارة لها - مثلا - هي نقاء القلب و السذاجة ، فنقاء القلب يعني طهارة نفسية تمنع صاحبها من التأثر السلبي ( الحقد و الكراهية ) تجاه من يسيء له أو يتجاوز عليه ، حيث التربية الروحية تدفعه باستمرار باتجاه التغافل و الإعراض عن مقابلة الإساءة و الانفعال بمثله ، بينما السذاجة تعني بلها عقليا و تبلدا وجدانيا لا يدرك معه الفرد المواقف و الأفعال و الشعور بمقصدها فضلا عن كيفية الرد عليها ، فشتان ما بينهما و الاختلاف الكلي ظاهر بعد معرفة معانيهما بالدقة ، إذ لا يمتنع نقاء القلب من الرد الحازم و الحفاظ على كرامة النفس دون تجاوز أو إساءة الأدب .
و شتان ما بين معنى الرحمة و رقة القلب و التعامل اللطيف مع الآخرين ، و بين الهشاشة القلبية و التي تشير إلى ضعف النفس و الإرادة و عدم القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح و المناسب ، و هذا التوضيح بين مجموعة هذه المفاهيم يدفعنا نحو صلب الموضوع المراد ، و هو بيان معنى القوة النفسية ( الداخلية ) التي تقي الفرد من العوامل الصعبة و القاسية المحيطة به ، في شبكة علاقات معقدة و أزمات تطفو بقوة على مشهد ميادين العمل و كيفية شقّ مسار التكامل فيها ، فالحقيقة أن الحفاظ على قلب نقي في عالم قاسٍ هو قمّة القوة الداخلية ، حيث أن البعض يتخلّى عن طيبته و نقائه بعد أن تكلّست و ترسلت في نفسه و ردود فعل مكبوتة و جراح مؤلمة من مواقف تعرّض لها و ما استطاع أن ينفّس من دخانها المنبعث و الخانق ، فالقلب الذي لم يتحوّل إلى حجر رغم كل ما مرّ به هو قلب انتصر في أشرس المعارك الحياتية .
و من هذا المنطلق نعرّج على مفهوم جهاد النفس في علم الأخلاق و ربط موضوعنا به ، في علاقة قد تخفى على البعض فيقتصر على هذه القيمة التربوية بمقاومة الأهواء النفسية و عالم الشهوات و الغرائز المتفلّتة ، و يغيب عنه ميدان جهادي مهم و هو المحافظة على نقاء القلب من المشاعر السلبية في عالم العلاقات ، فحين يُحدّثونك عن جهاد النفس فلا تختصره في طقوس أو معاني مجزّئة ، و أخبرهم أن أصدق الجهاد هو أن تنجو بإنسانيّتك و طيبتك و نقاوة قلبك من التلوّث بقاذورات أخلاقية ، فيبقى هذا القلب صالحا للحياة الآدميّة و قادرا على الحب و الاحترام و العدل و الرحمة ، بعد كل تلك المفاجآت الصادمة و العثرات المؤلمة و الانكسارات العاصفة و الهزائم في ساحة الثقة الوهمية .
حين يُذكَر جهاد النفس يذهب الذهن غالبا إلى صور تقليديّة كتقنين الشهوة في مجراها الشرعي و العقلي و كبح الغضب أو الإكثار من العبادات الظاهرة ، غير أن الحقيقة أعمق و أدق من ذلك بكثير ، فجهاد النفس الحقيقي - في جوهره - معركة طويلة الأمد للحفاظ على إنسانيّة القلب وسط عالم لا يتوقّف عن قسوته و لا يكفّ عن امتحان القيم .
لأنك مصدرنا الأول .. شاركنا أخبارك موثقة بالصور .. قضية .. مقال .. وذلك بالإرسال على رقم خدمة الواتساب 0594002003
- 2026-06-19 مندش: الأخضر جاهز لمواجهة إسبانيا
- 2026-06-19 الإمارات تحظر منصات التواصل للأطفال دون 15 عاماً
- 2026-06-19 “سيبراني” تطرح وظائف إدارية وهندسية في الظهران والرياض
- 2026-06-19 قبل ذروة الصيف.. مختص بمجال التكييف يوجه نصائح لتقليل فاتورة الكهرباء
- 2026-06-19 النمر يحذر: ارتفاع الضغط “القاتل الصامت” لا يُشعِر المريض بأعراض
- 2026-06-18 المملكة تحافظ على صدارة الأمن السيبراني عالميًا للعام الثالث
- 2026-06-18 دراسة: الروبوتات تساعد في الكشف عن الخلايا السرطانية الكامنة
- 2026-06-18 مخالفة طبية جسيمة.. تعليق رخصتي طبيبين بسبب دعاية مضللة لحقن مخصصة للاستعمال الخارجي
- 2026-06-18 “منارة العلا”.. مرصد فلكي عالمي يعزز ريادة المملكة بالفضاء
- 2026-06-17 «العامة للطرق»: اختلاف طبقات الأسفلت بين مناطق المملكة وفق الظروف المناخية
السيد فاضل علوي آل درويش



