قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
(سورة البقرة: 183)
لم يكن فرضُ الصيام مجرد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسةٌ تربوية، ومنهجٌ إلهي يُعيد ترتيب علاقة الإنسان بربّه وبنفسه وبالناس من حوله.
ومن أعظم حِكَم الصيام ما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، إذ قال:
"إنما فرض الله عز وجل الصيام ليستوي به الغني والفقير؛ وذلك أن الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأن الغني كلما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عز وجل أن يساوي بين خلقه بأن يذيق الغني مسّ الجوع والألم ليرقّ قلبه على الضعيف فيرحم الجائع."
الصيام… مساواة شعورية
الغني في حياته المعتادة قد لا يعرف معنى الحاجة، فمتى اشتهى وجد، ومتى أراد قدر. لكن حين يأتي شهر الصيام، يجلس الجميع على مائدة الامتناع نفسها؛ لا فرق بين من يملك ومن لا يملك. هنا يشعر الغني بما يشعر به الفقير، ويتذوق ألم الجوع، ولو لساعات.
إنها مساواة ليست في المال، بل في الإحساس.
وحين يتحول الجوع من فكرةٍ إلى تجربة، ومن معلومةٍ إلى معاناةٍ مؤقتة، يبدأ القلب باللين، وتتحرك الرحمة في النفس، فيدرك الإنسان أن هناك من يعيش هذا الشعور كل يوم، لا اختياراً بل اضطراراً.
تربية على الرحمة
الصيام لا يريد من الإنسان أن يجوع فحسب، بل أن يتغير؛ أن يخرج من أنانيته، وأن يرى في الآخرين جزءاً من مسؤوليته. فالجوع الذي يعيشه الصائم رسالة صامتة تقول له:
هناك بطون لم تجد ما تفطر عليه… وهناك قلوب تنتظر يد العون.
ومن هنا كان الصيام مقدمةً للعطاء، وموسماً للصدقة، وفرصةً لإحياء التكافل الاجتماعي. فحين يرقّ القلب، يسهل البذل، ويصبح الإحسان عادة لا موسماً.
الصيام… عبادة تُحيي الضمير
إن فرض الصيام يكشف لنا بوضوح أن التشريعات الإلهية ليست أوامر شكلية، بل برامج إصلاحٍ شامل. فكما يزكّي الصيام النفس من الشهوات، فإنه يزكّي المجتمع من القسوة، ويزرع فيه التعاطف والتراحم.
فإذا خرج الصائم من شهره ولم يتعلم معنى الرحمة، ولم يزدد إحساسه بالفقير، فقد فاته جانبٌ عظيم من الحكمة الإلهية.
نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام وعيٍ ورحمة، لا صيام جوعٍ وعطش، وأن يلين به قلوبنا، ويجعلنا مفاتيح خيرٍ ورحمةٍ لعباده.
والحمد لله رب العالمين.
✍️ صالح مكي المرهون



